ضاقت علينا مكة بما رحبت وصعب علينا ان نستمر بها بقية
العشر الاواخر من رمضان ,فهاجرنا الي المدينة. هاجرنا ليلا وسلكنا طريق مستقيم الي
المدينة , ومع خروجنا من مكة تذكرت هجرة الرسول -صلي الله عليه وسلم- ليلا من مكة
الي المدينة وشعرت برغبه في العودة اليها ,وامام عيني تجسدت صورة لعودة الرسول
-صلي الله عليه وسلم- فاتحا لمكة وحينها اسلمت قريش وصارت امان لكل حاج يقصد بيت
الله الحرام. كم كانت هجرته من الصعوبه والمشقه فما سوف نقطعه بالسيارة في جزء من
اليوم قطعه الرسول -صلي الله عليه وسلم- من اجل الدعوة في ايام.
الطريق من مكة الي المدينة يمتد لمسافة اكثر من 400 كيلو
متر ,سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وانا الي ربنا لمنقلبون ,وبدأنا
رحلتنا ونحن نتجاذب اطراف الحديث ونحافظ علي سرعة 120 كيلو متر بالساعة وهي اقصي
سرعة مسموحة. كم مضي من الوقت ! لم اشعر بالوقت الا وانا استيقظ من غفوه سريعة ,يبدو
ان الاستمرار في الطريق مع ما بلغ منا من ارهاق امر مستحيل لذا كان لابد من
الاستراحة. وبأقرب استراحة مكثنا حتي الفجر وبمسجد الاستراحة أدينا صلاة الفجر وغشانا
النعاس حتي طلعت الشمس وتوسطت كبد السماء.
عاودنا المسير مجددا ولاحظت قبل تحركنا ان هناك معتمرين
بملابس الاحرام متجهين الي مكة ,هذا يعني اننا لم نمر بميقات اهل المدينة (ابيار
علي) بعد. ظللت ابحث عن الميقات طيله الطريق حتي اذا كنا بنهاية الطريق وجدته اقرب
الي المدينة منه الي مكة. حسب علمي اجده ابعد ميقات عن المكة.
اليوم هو الجمعة وها نحن ندخل مدينة رسول الله -صلي الله
عليه وسلم- قبل صلاة الجمعة بدقائق قليلة. لاحظت لافته لتوجية غير المسلمين الي
الالتفاف والعودة ,فالمدينة المنورة محرمة علي غير المسلمين كحرمه مكة. ,كما جاء
في حديث الرسول -صلي الله عليه وسلم- "اللهم اني احرم المدينة كما حرم
ابراهيم مكة".
بحثنا عن اقرب واول مسجد نقابله في طريقنا فهدانا الله
الي اول مسجد في الاسلام ,مسجد اسس علي التقوي ,مسجد انزل الله في اهله ايآت تتلي
الي يوم القيامة ,مسجد فيه رجال يحبون ان يتطهروا , والله يحب المتطهرين. انه مسجد
قباء حيث قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- "ركعتين بمسجد قباء كأجر
عمره". وكان من رزقنا ان تكون الركعتين هما ركعتي صلاة الجمعة بالسادس
والعشرين من شهر رمضان المبارك.
انتهينا من صلاة الجمعة وسط جموع المصليين ورغم حراره
الجو المرتفعة الا ان بهجة دخول مدينة رسول الله -صلي الله عليه وسلم- كانت هي
المسيطرة علي مشاعرنا ,وامام عيني كان نخيل المدينة منتشر علي مد البصر بخضرته
ونضارته يداعبه هواء المدينة وداخلني صوت اهل المدينه حين خرجوا لاستقبال الرسول
-صلي الله عليه وسلم- وصاحبه الصديق حاملين زعف النخيل مرحبين بالرسول -صلي الله
عليه وسلم- بعد رحلة هجرة شاقه واحسست ان نور الرسول -صلي الله عليه وسلم- ينبعث
من كل ركن وكل حجر بمدينته المنورة.
لم يمضي علي دخولنا المدينة الا دقائق حتي لاح لنا الحرم
النبوي بمظلاته الشمسية المميزة وقبته الخضراء الامعه ,مضينا في بحثنا عن سكن
ووفقنا الله الي سكن مناسب القي كلا منا فيه جسده واخلد الي النوم حتي أذان المغرب.
افطرنا وتوجها الي المسجد النبوي سيرا علي الاقدام.
المدينة المنورة لها رونقها الخاص فرغم ان حرارة الجو لم تختلف عن مكة وكذلك
الزحام لم يختلف كثيرا عن مكة ,الا ان الله -سبحانه وتعالي- قد اودع في وجوه اهلها
بشاشه تبعث في نفسك السرور. كما ان انبساط طرق المدينه دون جبال واوديه وهدوء
معمارها واتساع مساحتها كان مصدر ارتياح يغشي الصدور.
حين وصلنا الي الحرم النبوي كان المؤذن يقيم الصلاة ,لم
يكن هناك وقت لاتأمل مسجد الرسول -صلي الله عليه وسلم- دوما اول نظرة واول خطوة
داخل الحرم تظل تتذكرها كلما اشتقت الي العودة الي المدينة المنورة. شرع الامام في
الصلاة ,ولكن مهلا هذا الصوت اعرفه جيدا واحفظه عن ظهر قلب انه صوت امام الحرم
النبوي الشيخ الحزيفي. لقد تربيت علي هذا الصوت كان اول مصحف مرتل كامل استمع اليه
في طفولتي ,حينها كان والدي قد عاد من اول عمره وقد احضر معه مصحف الشيخ الحزيفي
المرتل ,تعلقت به عيناي وسط امتعت والدي بلونه الاخضر الداكن والكلمات التي كتبت
عليه بخط زخرفي بديع ,ظننته في البداية كتاب وتقدمت اتناوله وشعور الفرح يشملي كلما
وقع تحت يدي كتاب جديد ,حاولت ان افتحه وتعجبت انه من البلاستيك ,وحين عجزت عن
فتحه تناوله ابي مني ضاحكا وفتحه ليا ,وتاه ناظري بين شرائط الكاسيت التي تحمل نفس
اللون الاخضر الداكن ,تفحصتها بدقه وتناول ابي احدها ووضعه في الكاسيت وانساب صوت الشيخ
الحزيفي منها ,كم كان صوته مميز ,مازلت اتذكر تلك اللحظات وانا استمع اليه بكل
اهتمامي ,ومن بعدها صار صوت الشيخ الحزيفي هو الصوت الذي استيقظ عليه يوميا حين ترفع
والدتي صوت الكاسيت لتيقظنا صباحا.
ها انا اليوم وبعد مضي العديد من السنين اقف لاصلي خلف الامام
الذي بهرت بصوته في طفولتي. نفس الصوت الملائكي بعذوبته وجماله ونفس الايآت من
الجزء السابع والعشرين من القرآن ونفس السورة التي حفظتها وانا ارددها خلفه في
طفولتي ,لاجدني ارددها الان خلفه في صلاتي ,كم هو شعور فوق الوصف ان تشعر وكأن
حياتك ما هي الا حلقات متداخله يقطع بعضها بعضا ليوصلك الي طريق الله.
صلاة التراويح مرت اسرع من اي وقت مضي ,رغم انها كانت
عشر صلاوات كلا منها ركعتين الا اني لم اشعر بالزمان مطلقا ,وبعد ان فرغنا من
الصلاة نظرت الي ساعتي لأتأكد ان الزمن بالفعل قد مر بنا. نظرت حولي اتأمل الحرم
النبوي ,المسجد اكبر من ان تحتويه بنظريك ,توجهت الي مقدمة المسجد حيث منبر الرسول
-صلي الله عليه وسلم- وكذلك بيت الرسول -صلي الله عليه وسلم- وبينهم روضه من رياض
الجنه ,كما اخبر حديث الرسول -صلي الله عليه وسلم- "مابين بيتي ومنبري روضه
من رياض الجنه".
الروضه مزدحمه للغايه ما بين مصلي وداعي ومستغفر ولكن
قبل ان نمر بروضه الرسول الكريم هلا سلمنا عليه ببيته حيث يقبع قبره . توجهت الي
باب الصديق وهو احدي ابواب الحرم النبوي التي تقودك مباشرتا الي المرور علي بيت
الرسول -صلي الله عليه وسلم- وكما اخبر -عليه الصلاة والسلام- ان الانبياء يدفنون
حيث يموتون فقد كان قبر الرسول -صلي الله عليه وسلم داخل بيت حيث توفاه الله.
السلام عليك يا رسول الله ,اشهد ان قد بلغت الرساله
وأديت الامانه ونصحت الامه وكشف الله بك الغمه ,اللهم صلي علي محمد وال محمد كما
صليت علي ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد ,اللهم بارك علي محمد وال محمد كما
باركت علي ابراهيم وال ابرهيم في العالمين انك حميد مجيد.
من حولي اجد البعض يدعي! هذا ليس مقام دعاء ,من كان
داعيا فليستقبل القبله وليتجه الي الله فهو النافع والضار , وما محمد الا عبد الله
ورسوله. الامن هنا يمنعون بكل هدوء اي مخالفه ويرشدون من اشكل عليه فجاء يدعو امام
قبر الرسول ,ولا يتركون احد يطيل الوقوف فهذه زيارة وسلام والله يرد علي رسوله
الكريم روحه فيرد علينا السلام.
من بعد قبر
الرسول -صلي الله عليه وسلم- تجد قبر الصديق -عليه السلام- ,اول من أمن من الرجال
واول من صدق بالرساله وصاحب الرسول -صلي الله عليه وسلم- في هجرته ,وكم من مناقب
الصديق التي لا نحصيها واحصاها الله له فجعل ايمانه يزن ايمان الامه بأكملها.
فسلام وصلاة عليك يا صاحب رسول الله.
تتقدم قليلا لتجد قبر عمر بن الخطاب ,الذي قال فيه
الرسول -صلي الله عليه وسلم- "لو كان نبي من بعدي لكان عمر بن الخطاب" ,ثاني
الخلفاء الراشدين والرجل الذي نعته الله من فوق سبع سموات بالفاروق ففرق به بين
الحق والباطل ,فسلام وصلاة عليك يا صاحب رسول الله.
خرجت من باب الزيارة لاعود من جديد الي داخل الحرم النبوي
,ومكثت الي صلاة التهجد ثم اذن علينا الفجر وصلينا الفجر وعدنا الي المسكن بحثنا
عن قليل من الراحة.
باليوم التاني ما بين العصر والمغرب توجهنا الي جبل
الرماه ,بالتأكيد نحن نقصد التوجه الي موقع غزوة احد ولان جبل احد يمتد حول
المدينة المنورة لمسافه كبيرة فهو يكون ما يشبه مدخل ضيق مع جبل اخر صغير يسمي جبل
الرماه ,ففوق هذا الجبل امر الرسول -صلي الله عليه وسلم- رماه جيشه ان يتمسكوا
بالجبل ولا يتركونه سواء كانت نتيجه المعركه نصر او هذيمه. ما بين جبل الرماه وجبل
احد مجموعة من القبور لشهداء احد وبين هذه القبور يقع قبر سيد الشهداء ,هنا يرقد
جسد سيد الشهداء واسد الاسلام وعم الرسول -صلي الله عليه وسلم- حمزة بن عبد المطلب
,البطل الذي تعلق به قلبي منذ طفولتي وانا ادرس بالمرحله الاعداديه قصته ,كانت
مختصره ولكن كانت كافيه الي ان تدفعني الي البحث عن كتاب يشبع رغبتي الي رؤيه حياة
هذا البطل حتي وقع تحت يدي كتاب "رجال حول الرسول" ثم كان ذكره في سلسله
السيرة النبويه فكان ما اردت وزاد حبه في قلبي حتي صار ذكر اسمه يدفع في كياني معاني
الشجاعه والبطولة.
للحظات خالط كياني معاني الحزن وكأني اري دموع الرسول
-صلي الله عليه وسلم- وهو ينعي عمه بعد ما مني به جيش المسلمين من هذيمه اثر معصيه
الرماه ,انتبهت علي صوت زميلي وهو يذكرني بحادث السيل من بضع سنين الذي جرف مقابر
شهداء احد وكشف عن اجساد الشهداء فاذا هي دافئه تشجب دما ويفوح منها رائحه المسك
وكانهم قد سقطوا شهداء لتوهم ,وتذكرت في تلك اللحظة قتلي قريش السبعين في غزوة بدر
الذين اكلتهم الديدان بعد دقائق قليله من موتهم حتي عجز المسلمين من شده نتنهم عن
نقلهم الي مقابرهم ,فامرهم الرسول -صلي الله عليه وسلم- ان يدفنوا في اماكنهم.
فشتان ما بين تحريم الله اجساد الشهداء علي الارض فيمضي الزمن وتمر السنين وهي
مازالت دافئه ومدرجه بدماءها وتفوح برائحه المسك وبين ديدان الارض لا تطيق صبرا
حتي تنهش اجساد من حارب الله ورسول.
توجهت الي جبل احد , "احد جبل يحبنا ونحبه"
صدق رسول الله -صلي الله عليه وسلم- .احد بحمرته وضخامته ,للحظات وددت ان اصعده ان
اتقدم واحاول ان اصعده ولكن ناظري كانا معلقان به وانا استشعر كيف شهد هذا الجبل
علي معركة فاصله بين الحق والباطل وكيف اعتصم به الرسول -صلي الله عليه وسلم- بعد
شق صف المسلمين بغزوة احد ومن فوقه رمي سعد بن ابي وقاص بقوسه الكفار قريش فاسقط
بهم ثلاث قتلي بثلاث رميات فكفهم عن ملاحقة رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ما
رميت اذ رميت يا سعد ولكن الله رمي ,فسلام عليك يا سعد.
يمضي الوقت عليك بالمدينة فتشتاق الي العودة الي مسجد
الرسول -صلي الله عليه وسلم- وما ان يقترب موعد صلاة العشاء حتي تهرع قلوبنا شوقا
الي المسجد النبوي ولا تستقر الا وانت ساجد الي الله في مسجد رسوله.
لا تنتهي من اي صلاة مكتوبه الا وينادي الامام الي صلاة
جنازة حتي بعد صلاة التراويح والتهجد ينادي الي صلاة الجنازة ما بين رجل متوفا وامرآه
وطفل او مجموعة قد توافاهم الله ,بالفعل لم تمر صلاة دون صلاة جنازة ,فتشعر ان
الموت من حولك في كل مكان وايامك بالدنيا قد صارت دقائق وثواني وكفي بالموت واعظ.
بعد صلاة فجر يومنا الثاني توجهنا الي زيارة البقيع ,حيث
قبور كثير من اصحاب الرسول -صلي الله عليه وسلم- وكذلك قبور كثير من عوام المسلمين
,زيارة القبور مباحة لاخذ العبره والعظه وكان استكمالا ايمانيا ان تشعر انك تقف
علي اولي عتبات بوابه الاخرة حيث لقاء الملك الجبار.
باليوم الثالث توجهنا الي المسجد ذو القبلتين ,هنا حيث تحول
المسلمين من التوجه في صلاتهم الي المسجد الاقصي الي المسجد الحرام كيث كانت تهوي
القلوب اليه كقبله ,وبداخل المسجد تجد ان قبله المسجد الاقصي بمؤخرة المسجد مما
يعني انها كانت فعلا الصلاة الوحيدة الذي تقدم فيها المصلين علي الامام حين بلغهم
امر تحويل القبله.
مر ما تبقي من رمضان بالمدينة المنورة اسرع مما يمكن
واقبل العيد ,وحقيقتا كل ايامنا بالمدينه كانت عيد ,فالعيد هو هذا اليوم الذي يلقي
الله في قلبك محبته فتجد من حولك يحبك بحبه ,وهو ذلك اليوم الذي يوفقك الله فيه
الي مرضاته وييسرها عليك في عباداتك وتعاملاتك واخلاقك ,وهو ذلك اليوم الذي تصفو
فيه نفسك من اي حقد او شحناء من المسلمين فتبيت يومك وقد سامحت واستغفرت لكل من تصادم
معه خط سير الحياه ,وهو ذلك اليوم الذي تصعد فيه روحك الي باريئها فتبشرك الملائكة
برب عنك راضي غير غضبان.
81 شوال 1432
10:30 ليلا - توقيت مكة المكرمة
مدينة الباحة
10:30 ليلا - توقيت مكة المكرمة
مدينة الباحة
