منذ ان قدمت الي المملكة العربية السعودية ونصيحه صديقي العزيز محمد عبد الرحمن ترن في أذني. فمحمد عبد الرحمن قد سبقني الي هنا منذ سنوات وعاد واستقر في مصر وحين حدثته انني علي وشك السفر الي ارض السعودية اخذ نفس عميقا وشرع في وصف كل شيء عن تجربته السابقه بما حملته نفسه من انطباعات اوليه وكيف تغيرت الانطباعات وما واجهه هنا وكيف تعايش وتكييف مع الاحوال وكانت اولي انطباعته واحساسه هي الاحساس بالرغبه في العودة الي الوطن وكره هذه البلد الجديدة وبصحراءها وجفاف اهلها وماديتها المطلقه ,وقد كان ما وصف صحيح وما حكي لي اصح وما انطبع داخله من مشاعر وانطباعات هو نفس ما حاك داخلي منذ اللحظة الاولي.
لم يدعني محمد في ذلك اليوم الا ووجه الي مجموعه من النصائح وكان اولها نصيحه زيارة بيت الله الحرام في اقرب فرصه تتاحي لي عند وصولي ,ولان موقع عملي وسكني لا يبعد كثيرا عن مكة المكرمة فقد كان هذا في المستطاع بمجرد وصولي واستقراري في عملي وزاد من جمال الفرصه توقيت المجئ ,فهذا شهر رمضان قد اظلنا ومن حولي كل زملاء العمل لا يتحدثون الا عن العمره وزيارة البيت الحرام.
محمد حين نصحني كان تعليل نصيحته هو ما سوف اشهده من ارتياح للبلد بعد عودتي من بيت الله ,وما سوف اشعر به هدوء نفسي تجاه هذا البلد الذي يحوي ام القري وبيت الله الحرام ,صدق محمد واهداني اعز نصيحه ,فجزاه الله عني خير الجزاء واعزه ورزقه من فضله , وله مني كل تحيه.
الرحله الي مكة تحتاج الي سيارة ,لم اتدبر سيارة هنا بعد! "الحل بسيط" ,هكذا اخبرني زميل بالعمل واستطرد قائلا "هناك مكاتب تنظم رحلات من الاربعاء عصرا الي الجمعة ليلا وبتكلفه رمزيه وهذا كل اسبوع". اذن الطريق متيسر لمن قصد بيت الله للعمرة. بادرت الي ان اذهب الي الحجز والاستعداد ولكن شيء ما منعني ,لست ادري ما هو ولكن كان داخلي شعور اني اريد ان اقضي مده اكبر من ثلاث ايام فقط في الحرم ,ثم ان الرحله تشمل مكة فقط! أين نصيب مدينة رسول الله -صلي الله عليه وسلم- من الزيارة ,لم اتخيل زيارة البيت الحرام والاعتمار دون زيارة مسجد الرسول -صلي الله عليه وسلم-. عاودت السؤال عن توافر رحلات الي المدينه ايضا ,فعلمت عن توافر رحلات شامله مكة والمدينه ولكن خلال نفس الفتره الزمنيه الضيقه ,فقط ثلاث ايام وليلتين. والسبب معروف عن اقتصار الرحلات علي هذه الايام. فالدوام (ساعات العمل كما يسمونها هنا) في الجهات الحكوميه -فانا اعمل بالامانه- (الامانه مرادف للمحافظة) يعطل يومي الخميس والجمعة. صحيح اننا لا نحظي بتعطيل يوم الخميس بسبب احتياجات العمل كما يدعي مدير المشاريع ,ولكن علي اقل تقدير لن يمانع هذا المدير من الحصول علي اجازه بيوم الخميس للذهاب الي مكة.
ولكن نفسي لم تميل الي الرحلة بهذا الشكل ,كانت تشتاق الي رحلة اطول وفي توقيت اعظم ؛فانتظرت الي العشر الاواخر ورزقني الله بمجموعة من زملاء العمل يرتبون لقضاء نص العشر الاواخر بمكة المكرمة وقضاء العيد بالمدينة المنورة. وهذا ما كنت ارغب فيه بالفعل. خمس ايام بمكة المكرمة والعيد في المدينة المنورة ,فيا له من عيد!
مرت ايام رمضان سريعا ولم اشتري احرام بعد ,كيف لي ان اؤدي العمرة دون احرام. بحثت عنه في السوق هنا ولم اجد ,فعدت الي زملائي اسأل عنه فاخبروني ان الافضل هو شراءه من ميقات الاحرام فلا داعي للقلق.
منذ سنوات تتجاوز العشر وقع تحت يدي كتاب موجز للفقه الاسلامي يشمل التعاملات والعبادات والعقيدة ,ولاني قارئ نهم فلم ادعه الا وقد اننهيته من اوله الي اخره ,عدا فصل واحد لم احاول التطرق اليه الا ببعض النظرات السريعه. كان هذا الفصل عن فقة الحج والعمرة. حتي اليوم لا اعلم لماذا تركت هذا الفصل دون غيره ولماذا لم يتطرق بي حتي الفضول الي قراءته ولو سريعا ,والاعجب اني سنويا حين كنت اجلس امام التلفاز يوم عرفه او اسمع من شخص يتحدث عن رحلة الحج او العمرة اجدني لا اتذكر ماهيه المناسك او كم عددها او كيف ترتيبها ,كانت دوما معلومات ضحله ولم احاول تنميتها الا بالقليل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. يبدو اني لم اكن اتخيل انه سوف يتيسر لي الحج او العمرة الان. او انه نوع من انواع التقصير من طالب فاشل يصر علي تاجيل الاستذكار الي قبل الامتحان بيوم.
اخبرني صديق مقرب لي انك ما تركت درس من دروس الدراسه المقرره عليك الا وندمت عليه حين تتخرج حين تجد نفسك تقف امامه في حياتك العمليه ولا سبيل الا العودة واستذكاره. في البدايه استنكرت كلامه ولم اصدقه ولكن حين اندمجت في الحياه العملية واخذني تحدي العمل اصتطدمت بحقيقه قول صديقي. فما من درس او امر كسلت عن المرور عليه بقوة واستذكاره بوعي الا وعاد لينتقم مني ويقف في طريقي مخرجا لسانه متحديا لي. هذا ما حدث مع ذلك الفصل الذي اهملته من الكتاب. ولكن لم يكن الامر صعب كما في مجال الهندسه. فديننا لا يحتاج ان تتذكر كل الفقه وتذاكره من جديد حتي تستوعب وتفهم فصل من فصوله. والان حان وقت الرحلة.
لم اختر من سوف يصحبني ,الامر معد له من قبل زملائي وانا لا اعرف احدهم اكثر من الاخر ,كلهم لدي سواء مجرد تعارف سطحي بناءا علي غربه جمعتنا هنا. ولو كنت في اي رحله عاديه لما خرجت ابدا مع اناس كل معرفتي بهم لا تمدد الا لعدد محدود من الايام. ولكن دوما الغايه والهدف حين تكون في سبيل الله تسموا بكل شيء. فيوفقك الله الي اناس يزداد حبك لهم طول طريق الرحلة وتتعلق بهم اثناء الرحلة وتودعهم بحراره حين نتتهي الرحلة. ولا يمكني ان انكر ان اولي اسباب نجاح اي رحله تكمن في الصحبه ,هذا بعد توفيق الله عز وجل.
من اول لحظة تحركت فيها سيارتنا وهي تنطلق علي الطريق وعيناي معلقه بالصحراء من حولنا وناظري يرقبان الجبال وخاطري يرسم صورة رحلتي دون سيارة وعلي جمل وسط وحشه الصحراء ووعوره الجبال وظلام الليل الذي تكافحة مصابيح السياره في استماته لتفسح مجال الرؤيه لاندفاعنا علي الطريق.
انطلقنا الي الطائف حيث الميقات وحين بلغناه وجدت نفسي امام سوق من كل الجنسيات والجميع يتسابق الي نزع ملابس الدنيا ولبس ملابس الاخرة. فما اشبه الاحرام بالكفن. بلا جيوب ولا تفصيل ولا اي ملامح مميزة. فقط ازار (هو ما يلف حول الخصر) وقطعه اخري تلفها حول عنقك لتغطي كتفيك. تغتسل وتتطيب وتستجمع النيه وتلتف بملابس الاخرة.
احساس جديد داخلني ,هو فرحه فاللون الابيض للاحرام يبعث البهجه في النفوس ,خاصتا حين تجد كل من حولك قد التف بالابيض وكاننا نسعي الي النور ليشع من اجسامنا بعد ان غشانا الظلام ايام وليالي. ويخالط فرحتك خشوع وانت تنظر الي ملابسك المزينة وقد خلعتها وتركتها خلفك واتجهت الي اقل ما يقال عليا ثياب وكانك تزهد في متاع وزينه الدنيا وتبعدها عن ناظريك حتي لا تتذكر الدنيا في رحلتك الي الله.
من الميقات الي مكة طريق يمتد من قمه جبل الي اوديته مرورا بسفوحه ,طريق عملاق يعتنق الجبل ويدور حوله ويتشبث به بعنف. يدعي طريق "الهدا" وهو عمل هندسي عملاق ان تشق طريق معلق علي جبل. لم اسال عن اسم الجبل من روعه مشاهد الطريق ,نفس مشهد مدينتي وانا في الطائرة يتكرر معي. علي قمة الجبل والدنيا من تحتك مجموعة من النقاط المتناهيه الصغر. فالجبل مرتفع للغايه وسيارتك متشبثه به وهي تدور في حلقات حوله ومكة علي مرمي البصر كبقه نور تتلألأ وسط نجوم الارض.
علي اعتاب مكة اشعر بقشعريرة وبداخلي شوق الي الوصول سريعا ,ويوقف سيارتنا الامن ويشير الي ضرورة التخلي عنها واستقلال حافله مع المعتمرين حفاظا علي عدم ازدحام مكه بالسيارات. بداخل الحافله لا تري عيناك الا ملابس الاحرام وقد التفت علي مزيج عجيب من الناس. فهذا احمر البشره يبدو تركي ,وهذا اسود البشره ملامحة سوداني ,وهذا اصفر البشره مسحوب العينين بالتاكيد صيني ,وهذا مصري شعرت به من روحه وابتسامته. هذا كهل كبير يجلس في تهالك وهؤلاء شباب اقوياء برزت فتوتهم من ملابس الاحرام. الجميع هنا من اجل هدف واحد.
مكة المكرمة محاطه بالجبال ,انا اعلم هذا وكذلك الحرم المكي محاط بالجبال ,ليست معلومه جديدة. ولكن الجديد اني نسيت هذا كله وطوال رحلة الحافله من بوابه مكة حتي الحرم وانا انظر يمينا ويسارا بحثا عن البيت الحرام لعلي المحه من بعيد. ولم اجده ,فقط شعرت باقترابنا حين شاهدت ساعة مكة المكرمه وهي تشق السماء بنورها الاخضر الهادي و تشير الي انتصاف الليل.
تركنا الحافله وترجلنا في اتجاه الحرم ,الكعبه الشريفه بداخله وحين تقف خارجه وعلي مقربه منه لا تراها. زملائي يتحركون ببطء ,او هكذا خيل لي ,اريد ان ادفعهم امامي مشتاق ان اري بيت الله ,وصبري ينفذ كلما احسست بقرب المسافه. لا اتذكر كيف قطع الساحة الخارجيه امام باب الملك عبد العزيز ولكني اتذكر جيدا تلك اللحظة التي انعطفت فيها ليقع ناظري علي بيت الله الحرام.
سكنت لحظات وتعلقت عيناي بسواد الكعبه وشعرت ان قلبي يسكن وروحي تهدء وكياني يسبح في بحر من السكينه والطمئنيه. لم اعد اشعر بدقات قلبي او حتي بقلبي نفسه. دفعني زملائي امامهم هذه المره. وبدأنا مناسك العمرة.
اعوذ بالله السميع العليم وسلطانه القديم ومن الشيطان الرجيم وبدأنا الطواف , اين الحجر الاسود؟ الزحام حول الكعبه شديد. اشار زميل لي رافقني طول العمره الي علامه خضراء ويقابلها من ناحيه الكعبه زحام اشد لمن ينتظرون تقبيل الحجر الاسود كما فعل الحبيب المصطفي -صلي الله عليه وسلم-.
في طوافك حول الكعبه لا تشعر بالزحام ,لا تشعر بحراره الجو ,لا تشعر بمن حولك ,لا تشعر الا بجلال وعظمة الخالق سبحانه الذي جاء الي بيته من كل فج عميق اناس هوت قلوبهم الي حبه ,جاءوا يرجون رحمته ويخشون عذابه ,جاءوا يسعون الي مرضاته ,جاءوا يعظمون شعائر الله لعل قلوبهم تكتب من قلوب المتقين. وفي ليله الخامس والعشرين من رمضان والجميع يتلمس ليله القدر ويبحث عن العتق من النار والفوز بالجنه ,كان المشهد عظيم.
تذكرت يوم القيامه فنحن جميعا هنا والدنيا قد فنت فماذا نحمل من اثقال افعال وذنوب قد تمادينا فيها ! وكم نحمل من افعال الخير نتقدم بيها ,الدنيا هانت كثيرا حين تجردت منها وسعيت الي هنا وجيئت معتمرا بيت الخالق الجبار تطلب عفوه ورضاه.
اشواط الطواف سبع واشواط السعي سبع , والسموات سبع ,والاراضين سبع ,وايام الاسبوع سبع ,هناك دوما حكمه من تكرار هذا الرقم ولكن عقلي لم يتوقف هنا كثيرا. وما بين الشوط الثاني والثالث انهالت مشاهد حياتي. كل من عرفته وجدت صورته امامي فدعوت له ,كل من احبته وتاثرت به واكننت له احترام مر امام عيني فسألت الله له , وكل من كرهته او ابتعد عنه ورغبت عنه مر امامي فاستغفرت له. لا اريد الا الخير الان ولم اعرف سواه ,فهذا مقام التسامح ,مقام الاخوه ,مقام السمو , فلا يليق به الا الدعاء.
مرت الاشواط سريعا وها انا في الشوط قبل الاخير انظر الي بيت الله الحرام : اللهم زد هذا البيت تكريما وتعظيما . حاولت الاقتراب بحذر من الحجر الاسود. وفي الشوط الاخير استلمت الركن اليماني (وهو ركن الكعبه الذي يسبق مكان الحجر الاسود مباشرتا) بيميني بالكاد لامسته ولم ارغب في المزاحمه ,وحاولت الاقتراب من الحجر الاسود ولكن هناك طوابير تنتظر لتقبيله فاشرت اليه ومع اشارتي ارتفع صوت امام الحرم بالتكبير معلنا بدايه صلاة التهجد.
لم اتمكن من الصلاه خلف مقام ابراهيم ,الطواف شغل كل ساحة الحرم ومن بعدهم يقف المصلين لصلاة التهجد ,بحثت عن مكان ولكن عز علي ان اجد مكان اصلي به ركعتين ,بحثت اكثر حتي صليت واتجهت الي الصفا.
ان الصفا والمروة من شعائر الله ,بتلك الكلمات بدأت السعي ولم اكن ابدأ حتي وجدت امامي اثنين من زملائي بعد ان تفرقنا وسط الطواف ولم نكد نمشي خطوات قليله حتي لقينا بقيه الزملاء ,كانت من الامور العجيبه ان تلتقي بهم وسط هذا الزحام ,وشعرت انها رحمه من الله ان يجمعنا مجددا. وها انا اتذكر السيدة هاجر وهي بين الصفا والمروة تبحث وتبحث ولا تجد حتي تنزل رحمه الله وتستقر عند زمزم.
ماء زمزم هناك في بدايه طريقك من الصفا الي المروة فتوجهت اليه ,كم اشتقت الي هذا الماء منذ اخر مره شربته ,اتذكر هذا الكوب من الماء الذي اعطاه الي ابي حين عاد من العمره منذ سنوات طوال وقال لي هذا ماء زمزم. يومها شربت شربه ورفعت الكوب انظر الي الماء ,هل هذا الماء مخلوط باللبن؟ سالت والدي فنفي ,وشربت مجددا ,هذا الماء لا يشبه اي ماء اخر شربته من قبل! ,اشعر كاني اتناول طعام وليس شراب ,حتي افرغت الكوب بالكامل. وها انا الان بالقرب من نبع زمزم. الجميع يشرب ويحمد الله ,ملأ ليا كوب شخص لا اعرفه ولكن لمجرد اقترابي وكان علي وشك ان يتناوله انزله ودفعه الي وتكلم بلغه غريبه اعتقد انها الارديه ,فملامحة افغانيه ,لم القي بالا له كثيرا ولكني انزويت في جانب وشربت من ماء زمزم , لم يتغير طعمه كما هو كما شربته من زمن بعيد ليس ماء وفقط ولكنه يمنحك شعور بالشبع ,وتجد نفسك لا تريد ان تكف عنه ,ومن كوب الي كوب حتي اكتفيت وارتويت وشبعت وأكملت سعيي. حسب علمي ان العلماء قاموا بتحليل ماء زمزم وقد وجدوا انه يحتوي علي جميع العناصر والمعادن والاملاح التي يحتاجها جسم الانسان ولا تتوافر في المياه العادية ولكن جزء كبير منها يتوافر في الاطعمة وهذا يفسر سر كون ماء زمزم طعام طعم كما اخبر الرسول -صلي الله عليه- وكما ورد في السيرة ان احد الصحابه قد مكث في الحرم ثلاثين يوم طعامه فقط ماء زمزم حتي زاد وزنه وتكسرت بطنه (اي ظهر له كرش صغير).
هرولت او ركضت ركضا خفيفا بعد بداية الشوط الاول بمسافة صغيرة ,هنا الموضوع الذي هرولت فيه السيدة هاجر خوفا علي ابنها وجزعا عليه. عاودت السعي مشيا بعد انتهاء حد الهروله وشرعت في الدعاء ,هذه المره لم اتذكر اصدقائي ولكن كان الدعاء من نصيب اهلي ,والدي ووالدتي واخوتي. احسست انهم معي وحولي وانا ادعوا لهم ,صورهم كانت تدور حولي واصواتهم كانت تتردد في اذني وتشعرني بدفء جميل.
اتممت سبع اشواط والان حان وقت التحلل من الاحرام بقص الشعر وتغير ملابس الاحرام ,توجهت الي خارج الحرم حيث الحلاقين ثم شرعت الي الحمامات العامه لاغتسال وتغيير ملابسي. ورغم كبر وتعدد الحمامات بشكل ملحوظ الا ان الزحام كان شديد ,كان هناك طوابير امام كل وحده والجميع يقف في هدوء ينتظر دوره ,دوما في اي مكان تذهب اليه تلاحظ تعدد الاجناس بشكل ملحوظ ,ولكن اكثر ما تنتبه اليه حين نتحدث عن الاجناس ان اكثر من سوف تقابلهم في الحرم هم المصريين ,بمنتهي البساطه تعرفهم ,وكلما تقابل نظري مع احدهم سألته: مصري؟ فيقول نعم وهو يضحك ,وتأكدت ان ملاحظتي صحيحه.
قبل اذان الفجر بنصف ساعه كنا قد انتهينا من مناسك العمرة وتحللنا وعدنا الي المسجد الحرام ,صعدنا الي الدور الثاني ولم يكن معنا اي طعام للسحور وما تبقي من الوقت لا يكفي للخروج لشراء طعام ,تذكرت ساعتها ماء زمزم , اذن فليكن سحورنا ماء زمزم ,شربنا حتي ارتوينا وشبعنا وتوجها لصلاه الفجر ,كانت اول صلاه لي خلف امام الحرم هي صلاه فجر يوم الخامس والعشرين من رمضان ,اذان الحرم المكي لا يمكن وصفه ,هو الاذان بنفس الكلام ولا شك ولكن عذب صوت المؤذن وروحانيه المكان وقدسيه رمضان اضفت رونق لا يوصف علي كل عبادة تؤديها حتي لو كانت مجرد ترديد الاذان خلف المؤذن.
من نعم الله علي الحجاج والمعتمرين ان جو مكة دائما دافئ ,فقد تضطر الي الصلاه علي رخام الحرم او علي السلالم من شدة الزحام ولكن لا تشعر الا بدفء الجو من حولك. تراحم المصليين من حولك وتوادهم تضفي علي المكان روح رائعه. وتجدك تحب من حولك دون ان تعرفهم ,انك بجوار البيت الحرام.
ما ان انتهينا من صلاه الفجر حتي طرح السؤال :أين سوف نبيت ليلتنا هذه؟ نحن بالتأكيد رتبنا لرحلتنا واعددنا لها كثير ولكن لم يكن لنا مندوب بمكة حتي يدبر لنا سكن قبل ان ناتي وكان المخطط ان نبحث بانفسنا عن سكن ومع توافر سياره معنا لم يكن بعد السكن عن الحرم مشكلة. ولكن نحن الان في منتهي التعب وبعض الزملاء يصر علي التحرك الان للبحث عن سكن. تحدثت الي المتحمسين للبحث واقنعتهم ان نرتاح قليلا بالحرم وبعدها نخرج للبحث عن سكن. وبالفعل اقتنعوا وجلسوا للراحه وكنت اعلم ان السكينه والطمئنينه التي نجدها بالحرم كفيله بان ينام الجميع بعد دقائق ,وبالفعل صدق حدسي وما ان تلفت حولي حتي وجدت الجميع قد ناموا وراحوا في سبات عميق.
لم نستيقظ الا قبل الظهر بساعة ,نمنا بشده وكان نوم هانئ الي ابعد الحدود ومكثنا بالحرم حتي اذان المغرب فافطرنا علي تمر ولبن وماء زمزم وصلينا التراويح وخرجنا نبحث عن سكن.
لكل شيء طعم مختلف بالحرم ,قراءه القرآن ايضا تختلف فلا تمل ولا تكل منها وتجد الساعات تمر وانت تقرأ وتقرأ بذهن صافي وعقل متدبر ,لعله توفيق من الله. من وقت الي الاخر اجدني اشتاق الي النظر الي الكعبه فاترك كل شيء واذهب اليها انظر واتأمل ويسرح خيالي الي عصر صدر الاسلام ومعاناه الرسول -صلي الله عليه وسلم- والصحابه من اجل ايصال هذا الدين الينا. هنا من المكان يفوح عبق تاريخ من النور ,تاريخ نور الهداية ورساله التوحيد.
كان مقرر ان ننتظر بالحرم المكي الي يوم العيد ولكن شدة الزحام كانت عائق امامنا لهذا ,لم نجد سكن وما وجدناه يفوق ما معنا من اموال بكثير ,وازدحام الحرم يجعل الاعتكاف فيه مرهق وتحتاج الي مكان اخر لترتاح فيه فلا مكان لموطئ قدم في الحرم والا ويوجد بها عابد يذكر الله او قائم يصلي او يقرأ القرآن. لذا قررنا ان نكتفي بيومين بالحرم المكي وننطلق الي مدينه رسول الله -صلي الله عليه وسلم- لنكمل رحلتنا الايمانيه ونقضي العيد هناك ,وكانت رحله اخري تستحق التسجيل.

يتبع
8 شوال 1432
11:30 ليلا - توقيت مكة المكرمة
مدينة الباحة

Labels: | edit post