كثيراً ما يعكر صفاء المشاعر وقد يزيد التعكر الي حد ان تزبل وتموت وتتبخر وتصبح لأ شئ ,مجرد ذكريات يتجاهلها التفكير ويهرب منها الي عالمه الخاص!
قد تمر بتجربه تتفجر فيها مشاعرك وتتمزج بمشاعر من احببته ثم يحين وقت حيث تموت المشاعر وتتبخر وتصبح هباء تزروه الرياح ,كثيرا من الامور تتسبب في هذا ,المشاعر مثلها مثل كل  كائن قد احياه الله ان اهمل يتلاشي ويختفي ويصبح بلا وجود.
وحين تقرر ان تذهب وتترك كل المشاعر وتدير لها ظهرك فبالتأكيد كل المشاعر قد ذابت فهي كانت صالحة للتلاشي ولديها من العوامل ما عجل بموتها.
ووسط كل ما سوف تعاني منه وسط مشاعر سابقه تنتزعها من قلبك يبرزغ نور جديد ويخفق قلبك ويتحرك نحو هذا النور ,دوما تبحث عن حياه مستقره. عن الراحة والانسجام. بحث عن من يكون لك عون في هذه الحياه, من يملك من الحنان ما يكفي ليغلف حياتك برعايته واهتمامه. تبحث عن يسأل عليك ويشارك لحظات حزنك قبل لحظات سعادتك. تبحث عن من تكون الحياه بجواره هي كنف السعادة.
هي ايضا تبحث عنك. تبحث عن حبك. واهتمامك ورعايتك. تبحث عن الامان و الاستقرار وتكوين اسره.
ولان كل انسان كتب له ان يقابل شريك حياته, فهذا رزق قد رفعت عنه الاقلام وجفت الصحف. فلا قلق ان كانت تجربتك فاشله. او ان قلبك انجذب في الاتجاة الخاطئ.فبالتأكيد سوف يقدر لك الابتعاد سوف يقدر لك ان تجد النور الذي قدر لك.
وحين يسطع النور فسوف تتتعرف عليه روحك. وحين تقترب منه ستجد هذا الشعور الرائع من التناغم والسعادة وقد تعرف قدر التفاهم بينكم ويزاد ارتباطك بها وتهيم عشقا لها.
فتهتف روحك انك قد رأيتها من قبل ويصرخ عقلك الباطن اعرفها كيف لا تعرفي. ويرفر قلبك فرحا كطائر قد اصابه ببل فرفر بحثا عني دفئ مفقود وكنف وعش مفقود.
من وسط نظرات عيونها تسبح في سماء بلا نهاية. تنطلق وسط سحاب حبها وتندفع تهتف بأسمها في ليله صيف حالمة. وتتقدم فتعبر عن جم حبك لها.
تجذبها نحوك بكل ما اوتيت من قوة. وتخبر كل ما تعرف انك قد وجدت من سوف تسكن في حضنها. تشد يديها وتلتف زراعيك حول خصرها وتتمايل معها رقصا احتفالا بموعد تفتح زهور الحب في جو لا يقاوم من الانسجاح.
لثواني تتراكم عليك هموم من الحياه وتضيق عليك نفسك فتركن اليها. تبث كل همومك الي توءم روحك حتي تسكن روحك وتعود اقوي من الاول.
تتقدمها دوما لتصلي. فهي تذكرك دوما بموعد الصلاة. وتجدها في سجودها تدعي لكم بالبركة والحفظ والسعاة.
لا تسمع منها ما يغضبك ولا تتعمد اثاره غضب وتحرص علي ان يجانب حواركم الدائم كل ما تواجهون من مشاكل بهدوء وعقل.
حين تشعر بضيق من امر ما تهرع اليك. وحين تبحث عن حضن يتفهم ما ضايقها لا تشكي سواء لك.
حريصه علي رضاك. وتتمنا في كل لحظة حين تمرح تداعبها. فان انت نظرت اليها دوما تثير كل الفرحة في قلبك. وليس هناك مثل فرحتك بوجودها في حياتك وامرات السعادة ترتسم علي وجنتيها حين تجدك دوما بجوارها.
يمر الزمن وتتعاقب السنوات ويزاد حبك لها وهي تزاد اخلاصا وعشقا لنول رضاك. ما تلبث ان تعبر عن حيويه حبك وعنفوان عشك الي محبوبتك.
فهنيئا لك حين وفقك الله الي من كتب الله ان تكون توءم روحك.
فبارك الله لنا.


27-12-2011
الاسكندرية - مصر


لحظات تمر الحياه سريعا... وما قدر الله لك يسبق رتم الحياه نفسها ... تخرج من بيتك مصطحب زميلك في العمل قاصدين اداء مناسك العمره بيت الله الحرام ... مررنا علي زميل لنا سوف يصحبها في رحلتنا ... تنحرف السياره وكأنها تزمجر وتعلن ان هناك خطر ينتظرنا ... لست اذكر هل انحرفت ذلك اليوم صباحا ام انحرفت بيوم سابق ... هناك عطل ما في الزوايا والاتزان...ولكني حين افقت من غيبوبه استمرت اكثر من شهر لم اعد اتذكر مواقيت الاحداث ... وهل كان بالفعل انحراف السياره قبل رحلتنا ولم نلقي له بالا ومضينا في رحلتنا ام انه كان في يوم سابق ولم نهتم به بسبب ضغط العمل ... لعلي اتذكر ذلك يوما ما ... ولكني تعلمت اذا كانت هناك خطوره في معده تستخدمها ...توقف عن استخدامها واخبر مديرك في تقرير رسمي وحمله مسؤليه اصلاحها من قبل المختصين ... ويفضل ان ترفع تقريرك الي المدير العام لتقي استجابه من مديرك.
لفتره لست اشعر كيف مرت ... مجرد احلام عجيبه عن رحله العمره وتفاصيلها ... صور من احبهم حولي ... مواقف سابقه ... تخيلات قادمه ... تنبأت وتوقعات من داخل العقل الباطن ... لم ادري كم مر من الوقت الا حين افقت ... تكبيرات العيد تتردد في اذني ...عيناي تتفتح علي شخص يقف بجواري ... انه اخي الكبير "هيثم" اين انا؟
هذا فراش في مستشفي!!! وانا ارقد عليه
لماذا انا هناك؟ ولم يستيقظ عقلي بشكل كامل بعد لم انتبه الي الجبس الذي يغلف يدي... بحث عقلي عن جواب ورضي باجابه ساذجه للغايه ... يبدو ان عقلي قد نسي اني في المملكه العربيه السعودية ... وتفسيري كان بناء علي اخر مره غبت عن الوعي ... للحظات تذكرت هذه اللحظات ... حين خدرت لعمليه استأصال الوزيتين في صغري ... نفس الشعور تستيقظ بدون ذاكره ولا تدري اين انت!
لم اشعر بكل جسدي بعد! لم احرك اي جزء منه سوا جفوني ... اخي كان يبدو عليه الفرح ويقوم باجراء اتصال ... صوت التلفاز يصل الي مسامعي ... انها قناه ناشيونال جيوجرافيك ... لم اسال عن اين انا لفتره ... يبدو ان عقلي مجهد للغايه ... واكتفي من ما نبع من عقلي الباطن ... وقد استنبط اني في مستشفي في ابو قير... لماذا هذا الاستنباط ولماذا اكتفيت بهذا الجواب ولماذا لم اطرح السؤال عن مكان وجودي ... هذه مستشفي ولم افكر اين هي ... كنت هناك ثقب في الذاكرة ... وكأن كل رحلتي الي المملكه العربيه السعوديه قد مسحت ورحلتي الي المسجد الحرام قد تبخرت!
وكل من عرفتهم خلال عملي الاخير من معارف ,لم اتذكر عملي اساسا فما بالي بالزملاء.
حتي وجود ممرضات ملامحهم جنوب شرق اسيويه ويتحدثون الانجليزيه بركاكه لم يتلف اليه عقلي ...كان وقت طرح الاسئله بالنسبه لعقلي لم يحب بعد! مجهد مشتت ولم ينتبه الي اي شيء... احتاج الي بعض الراحه ... لا اريد التفكير ... وعقلي لا يقوي علي التفكير او الملاحظه لا ما ظهر بشده منها!
الجو بارد الي حد ما ... هناك اجهزه تكييف تعمل بقوه داخل المكان ...
الان الاحظ ان هناك من يرقد علي سرير مجاور ... حين تحدث كانت لهجته عربيه بادية ... لم اتوقف عنده كثيرا رددت عليه كان يلقي علي السلام ... يبدو اني فاقد الوعي منذ فتره او اني مخدر من فتره طويله.
لدقائق قليله زارني النوم ... يبدو اني كنت مرهق جدا ... وفي عالم الاحلام زارني صور من رحلة الي المسجد الحرام ... وجدتي اصلي بعد ارتداء ملابس الاحرام ... بنفس مسجد الميقات ... وهناك زميلي عمرو يصلي امام ...  انهيت الصلاه وشرعت الي ثوب احرامه كان يبدو مثل قماش النشافه ... لم املك نفسي فأخذت امازحه:)
كان هذا الحلم مستمد من موقف حدث بالفعل وعقلي الباطن كان يسترجعه
وما اغلقت عيني في الايام التي تلت افاقتي الا وزارني احلام متعدده ... جزء من ذاكرتي كانت غائبه في متاهات من الظلام وجزء كان يتأرج امامي في كل حلم!
حاولت ان اتحرك فاكتشفت يدي الراقده في جبس ... واحسست بثقل الجبس للغايه ... مجددا لماذا انا هنا؟
ولماذا يدي ترقد في جبيره ... وبماذا انا متهالك للغايه هكذا؟
اخبرني اخي عن السبب ... انار ذاكرتي عن ما حدث ... لماذا لم اتذكره!
بالكاد اتذكر هذا اليوم حتي وقت معين وهناك تنقطع الذاكره ... حاله مربكه للغايه اذن هو كان حادث ... وهذه عواقبه ... كسر بيدي وقدمي بالكاد احركها ولا اقوي علي استخدامها.
كم كان احساس فقد الذاكرة مؤلم ... ان تستيقظ ولا تجد احداث الامس حاضره بذهنك ... ذهلت حين علمت ان تاريخ اليوم هو بداية العيد الكبير ... التكبير مازال يتردد في اذني ولكن لم يستنتج عقلي هذه المعلومه الا حين اخبرني اخي بها.
كثير من عدم المنطقية مرت امامي واسئله كثيرة لم اطرحها ... مازال احساس بالارهاق يدور حولي معظم الوقت وبالكاد القي اهتمامي لاي شيء!
لم الحظ اني مازلت بالسعودية الا حين تقرر خروجي من المستشفي ... وحين خرجني اخي بحديقه المستشفي كتغير جو تأكد لدي الفكرة السابقة التي كان عقلي المرهق قد استنبطها اني ارقد بمستشفي بأبو قير ... تطرقت معلومه الي ان هذه مستشفي سعودي وكان هذا منطقي مع الممرضات الشرق اسيويات ولكن كيف لمستشفي سعودي ان توجد في ابو قير عدم منطقيه لم اتطرق اليها ... مازال ذهني مشتت وبالكاد اركز وافكر وابحث عن اجابات ... بعض الالم بساقي وحين حاولت ان اغادر الفراش هرع الي اخي ومنعني ... واشار الي ان ساقي لم تلتأم بعد لكي استخدمها في المشي.
لايام عديدة قضيتها بالمستشفي كان دوما اخي يتأكد ان حواجز السرير مرفوعه قبل ان ينام ... كان مرافقي بالسرير المجاور ... وكان يحرص علي ان يطعمني من وقت الي اخر ... طعام المستشفي كان بلا طعم تقريبا.
اين هاتفي الخلوي؟
لا اثر له دوما اضعه في اقرب مكان لموضع نومي!
ولكني لست في سريري فلا بد ان أسأل عن مصيره ... بالتأكيد حين استيقظ ابحث عن نظارتي وتكون الرؤيه مشوشه قليلا ولكني لم اجدها ايضا ... اخي اخرج نظارة ... هي نظارتي القديمة قبل ان استبدلها قبل سفري.
زارني بعض الاصدقاء ... الاسماء تأهه كاني ابحث وسط غيامه سوداء
يبدو ان الزيارة الاخيرة قد انعشت جانب من ذاكرتي الخاص بالمعارف ... وجزء كبير من حياتي الخاصه
انتعشت ذاكرة حياتي بالفعل حين اعطاني اخي التلفون لاتحدث الي ابي ... ثم علمت ان امي لم تعلم بأصابتي الي الان ... وتكررت الزيارت ... كان هناك عدم منطقيه ... هؤلاء الزملاء المفترض انهم بالسعودية! ايضا اخي المفترض به انه يعمل بالسعودية!
للمره الثانيه لم التفت الي عدم منطقيه هذا المهم انهم هنا وهذا ينعش ذاكرتي بشده ... وتوالي علي عقلي اسماء اصدقاء لم يحضروا ... وتذكرت ما قبل الحادث ... حين انتقلت الي العمل بأمانه المخواه ... كان هناك مجموعه من الزوار قد حضروا لزياره المريض الذي يرقد في السرير المجاور كانوا مجموعة من العاملين بأمانة المخواه ... حقيقة لم اتذكر ملامحهم ولكن كلامهم كان مألوف لي  وبدي عليهم السعادة حين وجدوني ... سألتهم عن زميلي احمد شريف ... تحولت ملامحهم الي الاسف واكدوا لي انه قد توفي في الحادث.
راعني الخبر ... هل احمد شريف توفي ... كم ارتبط باحمد شريف فقد وجت فيه هذا الرجل الشهم وسط مشاكل الشغل المتكرره... حينها تذكرت اليوم الذي كان يعلمني القيادة قبل الحادث بايام قليله وتذكرت كيف انتزعنا حقنا من الادارة وكيف وقف بجواري ... كنت قد سألت اخي عن احمد شريف وأكد لي انه بخير
كانت ذاكرتي لم تربط اصابتي باحمد شريف او انه كان يقود السيارة اثناء رحلتنا الي مكه
كانت اقتناعتي ان احمد شريف بخير شديدة حتي اني قد اقنعت هؤلاء الزوار انهم بخير وصدقوني وحين سألوني اين هو اخبرتهم انه سافر مصر وهذا بناء علي ما اخبرني به اخي.
لم اعلم ان احمد قد توفي الا حين خرجت من المستشفي وان عمرو قد اصيب في صدره... حينها فقط تذكرت ان عمرو كان معنا في رحلتنا ... وهذا سبب الحلم الذي ظهر فيه عمرو بملابس الاحرام.
تذكرت السيارة وانتعشت ذاكرتي اكثر الفعل كنا في رحلة الي بيت الله الحرام وها انا اتذكر حين خرجنا من الحرم... ولكني لم انتبه الي طريق العودة كثيرا ... ولا اتذكر كيف انحرفت السيارة ونحن عائدين او اي صراخ تحذيري او اي شيء ... فقط اخبرني زميل بالعمل انه اخبره عاملين الاسعاف حين جاؤه لاسعافنا بعضهم سألني من انت وماذا تعمل فاخبرته:) يبدو اني عقلي كان مازال في لحظات الاغماء الاولي:)
حين اتذكر الي الان حتي قبل الحادث بثواني لا توجد ذاكرة وكأنها محيت وذهبت في الحادث
صدمت حين اخبرني والدي حين عدت الي مصر ان تنفسي كان متوقف وان قد اصبت بجلطة دهنيه بالقلب اثر تسرب بخاع العظام المكسور من الحادث الي الدم... حساس عجيب انك كنت علي شفا حافه الموت بالاضافه ان تعلم ان من كان بجوارك قد فاضت روحه ... بالتأكيد كانت سحابه موت قد اظلتنا وامن بيننا كان هناك من كتب ان عمره قد نفذ.
مازلت الذاكرة بعيدة عني ذهني ولا اجد منها اي لمحات ... وحين قررت ان اكتب خواطري عن الحادث الذي لا اذكر منه شيء كانت مجرد فكره
مجرد فكرة عن سحابة الموت
27-12-2011
الاسكندرية - مصر


سألت زميلي بالمكتب عن اقصي زاوية يمكن ان يصمم عليها منحدر طريق ,حتي يتسني لسيارة ان تصعده ,فاعتدل في جلسته ليواجهني بكامل جسده واخذ يتمتم ببعض الكلام وشرد نظره بعيدا ,وأنتظرت رده طويلا ولم اتلقي رد ,وشرد عقلي مع شروده فهناك من يبذل مجهود مضاعف ليصعد منحدر صادف طريق تقدمه ,وتضيع وتتبدد كثير من طاقه كانت مدخره لطريق طويل من اجل تجاوز منحدر برز من العدم لحكمه لن نعلمها الا حين ننهي طريق.

عاودت النظر الي زميلي ومازال الشرود ياخذ بصره وكأنه يحاول صعود منحدر فكري ,ومن حولي رأيت صحراء وسيارتي تقطع طريق طويل وامام عيناي يبرز جبل هائل ,وطريقي يمتد اليه ثم يعتنقه بقوة ويلتف حوله بعنف لياخذني وياخذ كل رواد الطريق الي قمته عبر مجموعه من المنحدرات الدورانيه. ليس منحدر واحد ولكن تتعدد المنحدرات وتتعدد زوايا الميل وتتعدد الطاقة المطلوبه لكل منحدر ,ولكن يظل الاختبار واحد والهدف واحد والطريق واحد الي القمة.
مازال صديقي شاردا ,هل نسي انه مصمم طرق ام نسي انه تخصصه هندسه مدنيه ,هل انساه منحدر يعيق تقدمه قدراته ومهاراته وافقده توازنه ام زاوية ميل المنحدر مخيفه لدرجه تذهب بعقلك وتدفعك الي الخوف من المجهول ,فهل تتقدم دون حسابات وتدفع بكل طاقتك الي اختبار المنحدر ام تنتظر وتدرس وتقييم وتاخذ في اعتبارك كل العواقب والاحتمالات قبل ان تقود سيارتك عبر منحدر الحياه!
يبدو ان زميلي ليس قادر علي ان يأخذ قرار ,فهل يجيبني عن اقصي زاوية ميل للمنحدر ويعينني بمعلومه صغيره علي صنع قراري بالتقدم او بالتقهقر ,ام تراه يسكت عن الاجابه خوفا من ان اتخذ القرار ,هل يظل في حاله التردد خوفا من ان يضع معلومه في يد من يريد ان يأخذ القرار ,وهل يشارك في صنع مستقبل قائم علي الوعي , ام تراه يفضل العيش والخوف من مجهول يطارده.
عاودت النظر الي عيني زميلي ,فمن نظراته اطل الخوف من المجهول ,دوما نخشي هذا المجهول ,فحين لا نعلم علم اليقين يسبح خيالنا دون وعي فيغرق في بحور من الغزعبلات والاوهام التي تفزعه فتفزعنا وتخيفه فتخيفنا وتلقي في قلوبنا الرهبه فنظل قيد مكاننا وكأننا قد حكمنا علي انفسنا - بخوفنا من مجهول صنعناه بايدينا - ان نجلس ولا نحرك ساكنا مادمت ظلال المجهول تحوم حولنا وتسيطر علي عقولنا وتشل تفكيرنا وتميت وعينا وادراكنا.
تركت زميلي وابتعدت ,وقدت سيارتي وانطلقت ,وعلي طريقي صعدت المنحدر ونجحت!


تحرير في 12:44 ليلا
25 سبتمبر 2011
توقيت مكة المكرمة
مدينه الباحة


ايام وليالي طوال مرت كانها الرياح ,رياح عاصفه تخلع القلوب لا تذر ولا تهدأ ولا تحط الرحال. في سيرها تثير غبار الذكريات. وتندفع الي اقصي الامال لعلها تبلغ المحال. ولوقع صوتها اجهاد ورهبه تقتحم القلوب وثير الخيال. حياة قاحلة بدون ماء ولا ينبت بها زرع الا حرقته حرارة تفوق الاحتمال. وبين جوانب كثبان الحياه أمضى بهدوء واسير وحيدا بحثنا عن واحة الصحراء. الرحلة تطول والواحه لا يعلم موقعها وسط الصحراء. يصحبي باحث مثلي عن واحة الجمال. واعود واسير وحيدا حين يكسر رفيقي بعد المسافة وطول الارتحال. وامضي وقد ناداني امل الوصول حيث تكمن متعة الجمال. قد تطول رحلتي حين يصحبني من يجذبني ويعيق الاسترسال. ولدقائق ينتبه الي وقوفه في طريقي فيعود ليكف عن طريقي عوائق وصعاب. ولكن يبقي دوما عائق صبر الزمان عصي علي الاحتمال. لرفيقي الحق ان يفتر ويدعني امضي في سلام. فلست بلائمه ولست بتارك الارتحال. ولرفيقي ان يجلس بجواري حين اخلد الي راحه سفر قد طال. حينها تتحول راحتي الي واحه فرفيقي بجواري يبث في راحتي من جمال قلبه معاني الاهتمام. ولكن يا رفيقي تذكر انها راحة لدقائق قد تطول ولكن لا بد ان نكمل الترحال. فلا بلوغ غايه الا يصحبها شقاء. ولا صعود قمه الا مرورا بسفوح الجبال.
هي دوما صحراء ,تزداد وحشتها بدون رفقاء ,ويتشتد وطئه جفافها حين يجف نبع قلب منحته اذن الاقتراب. لعل معني الصحراء يتبدل حين توشك الرحلة علي الانتهاء. ولعل هذا يهون علي رفيقي حين تلوح واحة الامان. ولعلي لا اشتكي ولا اتذمر املا في البقاء. ولعل حياتي تغادرها الصحراء حين تزورها واحة تحوي الامال.
طال السفر وبعد ان لاحت الواحة ضللنا الطريق. عدنا الي السير عكس الاتجاه. ولايام وليالي تركنا الهدف وسرنا ومضينا خوفا وهربا وضحكت الصحراء. وفي احضانها بتنا وقد اجهدتنا تبعثر الجهود. وضحكات الصحراء تلاحقنا اينما اغلقنا العيون. ووسط الصحراء لعنه تملكنا حين تفرقت القلوب. ومعني وحدتنا وقرب كلمتنا ووفاء رابطنا اصبح سراب تملكه صحراء لا ترحم ولا تعبء باي معاني.
نعود لنمضي ,فانا امضي ورفيقي يمضي او هكذا خيل لي اننا نمضي ,او ان الصحراء قد تملكتنا وصارت جزء من قلوبنا فالقت به من وحشتها وشدتها وقسوتها. وصرنا لا نعرف معني سوي الصحراء بمعانيها القاحلة واهدافها القاتلة.
اذن لنمضي مجددا وان كانت حياتنا صحراء ,ولنثير غبار الذكريات فوسط الصحراء وتحت كل ذره تراب تكمن ذكريات لنا اشتد بها الريح فردمها التراب ,واخفي معالمها قسوه فراق.
فلن اكتب عن صحراء تجتاح حياتي ليل ونهار ,ولن ابحث وسط رمالها عن الذكريات ولن يهدأ لي بال وسط الصحراء.

تحرير في
22 سبتمبر 2011
الساعه 6:25 صباحا
توقيت مدينه الباحة
المملكة العربية السعودية

ضاقت علينا مكة بما رحبت وصعب علينا ان نستمر بها بقية العشر الاواخر من رمضان ,فهاجرنا الي المدينة. هاجرنا ليلا وسلكنا طريق مستقيم الي المدينة , ومع خروجنا من مكة تذكرت هجرة الرسول -صلي الله عليه وسلم- ليلا من مكة الي المدينة وشعرت برغبه في العودة اليها ,وامام عيني تجسدت صورة لعودة الرسول -صلي الله عليه وسلم- فاتحا لمكة وحينها اسلمت قريش وصارت امان لكل حاج يقصد بيت الله الحرام. كم كانت هجرته من الصعوبه والمشقه فما سوف نقطعه بالسيارة في جزء من اليوم قطعه الرسول -صلي الله عليه وسلم- من اجل الدعوة في ايام.
الطريق من مكة الي المدينة يمتد لمسافة اكثر من 400 كيلو متر ,سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وانا الي ربنا لمنقلبون ,وبدأنا رحلتنا ونحن نتجاذب اطراف الحديث ونحافظ علي سرعة 120 كيلو متر بالساعة وهي اقصي سرعة مسموحة. كم مضي من الوقت ! لم اشعر بالوقت الا وانا استيقظ من غفوه سريعة ,يبدو ان الاستمرار في الطريق مع ما بلغ منا من ارهاق امر مستحيل لذا كان لابد من الاستراحة. وبأقرب استراحة مكثنا حتي الفجر وبمسجد الاستراحة أدينا صلاة الفجر وغشانا النعاس حتي طلعت الشمس وتوسطت كبد السماء.
عاودنا المسير مجددا ولاحظت قبل تحركنا ان هناك معتمرين بملابس الاحرام متجهين الي مكة ,هذا يعني اننا لم نمر بميقات اهل المدينة (ابيار علي) بعد. ظللت ابحث عن الميقات طيله الطريق حتي اذا كنا بنهاية الطريق وجدته اقرب الي المدينة منه الي مكة. حسب علمي اجده ابعد ميقات عن المكة.
اليوم هو الجمعة وها نحن ندخل مدينة رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قبل صلاة الجمعة بدقائق قليلة. لاحظت لافته لتوجية غير المسلمين الي الالتفاف والعودة ,فالمدينة المنورة محرمة علي غير المسلمين كحرمه مكة. ,كما جاء في حديث الرسول -صلي الله عليه وسلم- "اللهم اني احرم المدينة كما حرم ابراهيم مكة".
بحثنا عن اقرب واول مسجد نقابله في طريقنا فهدانا الله الي اول مسجد في الاسلام ,مسجد اسس علي التقوي ,مسجد انزل الله في اهله ايآت تتلي الي يوم القيامة ,مسجد فيه رجال يحبون ان يتطهروا , والله يحب المتطهرين. انه مسجد قباء حيث قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- "ركعتين بمسجد قباء كأجر عمره". وكان من رزقنا ان تكون الركعتين هما ركعتي صلاة الجمعة بالسادس والعشرين من شهر رمضان المبارك.
انتهينا من صلاة الجمعة وسط جموع المصليين ورغم حراره الجو المرتفعة الا ان بهجة دخول مدينة رسول الله -صلي الله عليه وسلم- كانت هي المسيطرة علي مشاعرنا ,وامام عيني كان نخيل المدينة منتشر علي مد البصر بخضرته ونضارته يداعبه هواء المدينة وداخلني صوت اهل المدينه حين خرجوا لاستقبال الرسول -صلي الله عليه وسلم- وصاحبه الصديق حاملين زعف النخيل مرحبين بالرسول -صلي الله عليه وسلم- بعد رحلة هجرة شاقه واحسست ان نور الرسول -صلي الله عليه وسلم- ينبعث من كل ركن وكل حجر بمدينته المنورة.
لم يمضي علي دخولنا المدينة الا دقائق حتي لاح لنا الحرم النبوي بمظلاته الشمسية المميزة وقبته الخضراء الامعه ,مضينا في بحثنا عن سكن ووفقنا الله الي سكن مناسب القي كلا منا فيه جسده واخلد الي النوم حتي أذان المغرب.
افطرنا وتوجها الي المسجد النبوي سيرا علي الاقدام. المدينة المنورة لها رونقها الخاص فرغم ان حرارة الجو لم تختلف عن مكة وكذلك الزحام لم يختلف كثيرا عن مكة ,الا ان الله -سبحانه وتعالي- قد اودع في وجوه اهلها بشاشه تبعث في نفسك السرور. كما ان انبساط طرق المدينه دون جبال واوديه وهدوء معمارها واتساع مساحتها كان مصدر ارتياح يغشي الصدور.
حين وصلنا الي الحرم النبوي كان المؤذن يقيم الصلاة ,لم يكن هناك وقت لاتأمل مسجد الرسول -صلي الله عليه وسلم- دوما اول نظرة واول خطوة داخل الحرم تظل تتذكرها كلما اشتقت الي العودة الي المدينة المنورة. شرع الامام في الصلاة ,ولكن مهلا هذا الصوت اعرفه جيدا واحفظه عن ظهر قلب انه صوت امام الحرم النبوي الشيخ الحزيفي. لقد تربيت علي هذا الصوت كان اول مصحف مرتل كامل استمع اليه في طفولتي ,حينها كان والدي قد عاد من اول عمره وقد احضر معه مصحف الشيخ الحزيفي المرتل ,تعلقت به عيناي وسط امتعت والدي بلونه الاخضر الداكن والكلمات التي كتبت عليه بخط زخرفي بديع ,ظننته في البداية كتاب وتقدمت اتناوله وشعور الفرح يشملي كلما وقع تحت يدي كتاب جديد ,حاولت ان افتحه وتعجبت انه من البلاستيك ,وحين عجزت عن فتحه تناوله ابي مني ضاحكا وفتحه ليا ,وتاه ناظري بين شرائط الكاسيت التي تحمل نفس اللون الاخضر الداكن ,تفحصتها بدقه وتناول ابي احدها ووضعه في الكاسيت وانساب صوت الشيخ الحزيفي منها ,كم كان صوته مميز ,مازلت اتذكر تلك اللحظات وانا استمع اليه بكل اهتمامي ,ومن بعدها صار صوت الشيخ الحزيفي هو الصوت الذي استيقظ عليه يوميا حين ترفع والدتي صوت الكاسيت لتيقظنا صباحا.
ها انا اليوم وبعد مضي العديد من السنين اقف لاصلي خلف الامام الذي بهرت بصوته في طفولتي. نفس الصوت الملائكي بعذوبته وجماله ونفس الايآت من الجزء السابع والعشرين من القرآن ونفس السورة التي حفظتها وانا ارددها خلفه في طفولتي ,لاجدني ارددها الان خلفه في صلاتي ,كم هو شعور فوق الوصف ان تشعر وكأن حياتك ما هي الا حلقات متداخله يقطع بعضها بعضا ليوصلك الي طريق الله.
صلاة التراويح مرت اسرع من اي وقت مضي ,رغم انها كانت عشر صلاوات كلا منها ركعتين الا اني لم اشعر بالزمان مطلقا ,وبعد ان فرغنا من الصلاة نظرت الي ساعتي لأتأكد ان الزمن بالفعل قد مر بنا. نظرت حولي اتأمل الحرم النبوي ,المسجد اكبر من ان تحتويه بنظريك ,توجهت الي مقدمة المسجد حيث منبر الرسول -صلي الله عليه وسلم- وكذلك بيت الرسول -صلي الله عليه وسلم- وبينهم روضه من رياض الجنه ,كما اخبر حديث الرسول -صلي الله عليه وسلم- "مابين بيتي ومنبري روضه من رياض الجنه".
الروضه مزدحمه للغايه ما بين مصلي وداعي ومستغفر ولكن قبل ان نمر بروضه الرسول الكريم هلا سلمنا عليه ببيته حيث يقبع قبره . توجهت الي باب الصديق وهو احدي ابواب الحرم النبوي التي تقودك مباشرتا الي المرور علي بيت الرسول -صلي الله عليه وسلم- وكما اخبر -عليه الصلاة والسلام- ان الانبياء يدفنون حيث يموتون فقد كان قبر الرسول -صلي الله عليه وسلم داخل بيت حيث توفاه الله.
السلام عليك يا رسول الله ,اشهد ان قد بلغت الرساله وأديت الامانه ونصحت الامه وكشف الله بك الغمه ,اللهم صلي علي محمد وال محمد كما صليت علي ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد ,اللهم بارك علي محمد وال محمد كما باركت علي ابراهيم وال ابرهيم في العالمين انك حميد مجيد.
من حولي اجد البعض يدعي! هذا ليس مقام دعاء ,من كان داعيا فليستقبل القبله وليتجه الي الله فهو النافع والضار , وما محمد الا عبد الله ورسوله. الامن هنا يمنعون بكل هدوء اي مخالفه ويرشدون من اشكل عليه فجاء يدعو امام قبر الرسول ,ولا يتركون احد يطيل الوقوف فهذه زيارة وسلام والله يرد علي رسوله الكريم روحه فيرد علينا السلام.
 من بعد قبر الرسول -صلي الله عليه وسلم- تجد قبر الصديق -عليه السلام- ,اول من أمن من الرجال واول من صدق بالرساله وصاحب الرسول -صلي الله عليه وسلم- في هجرته ,وكم من مناقب الصديق التي لا نحصيها واحصاها الله له فجعل ايمانه يزن ايمان الامه بأكملها. فسلام وصلاة عليك يا صاحب رسول الله.
تتقدم قليلا لتجد قبر عمر بن الخطاب ,الذي قال فيه الرسول -صلي الله عليه وسلم- "لو كان نبي من بعدي لكان عمر بن الخطاب" ,ثاني الخلفاء الراشدين والرجل الذي نعته الله من فوق سبع سموات بالفاروق ففرق به بين الحق والباطل ,فسلام وصلاة عليك يا صاحب رسول الله.
خرجت من باب الزيارة لاعود من جديد الي داخل الحرم النبوي ,ومكثت الي صلاة التهجد ثم اذن علينا الفجر وصلينا الفجر وعدنا الي المسكن بحثنا عن قليل من الراحة.
باليوم التاني ما بين العصر والمغرب توجهنا الي جبل الرماه ,بالتأكيد نحن نقصد التوجه الي موقع غزوة احد ولان جبل احد يمتد حول المدينة المنورة لمسافه كبيرة فهو يكون ما يشبه مدخل ضيق مع جبل اخر صغير يسمي جبل الرماه ,ففوق هذا الجبل امر الرسول -صلي الله عليه وسلم- رماه جيشه ان يتمسكوا بالجبل ولا يتركونه سواء كانت نتيجه المعركه نصر او هذيمه. ما بين جبل الرماه وجبل احد مجموعة من القبور لشهداء احد وبين هذه القبور يقع قبر سيد الشهداء ,هنا يرقد جسد سيد الشهداء واسد الاسلام وعم الرسول -صلي الله عليه وسلم- حمزة بن عبد المطلب ,البطل الذي تعلق به قلبي منذ طفولتي وانا ادرس بالمرحله الاعداديه قصته ,كانت مختصره ولكن كانت كافيه الي ان تدفعني الي البحث عن كتاب يشبع رغبتي الي رؤيه حياة هذا البطل حتي وقع تحت يدي كتاب "رجال حول الرسول" ثم كان ذكره في سلسله السيرة النبويه فكان ما اردت وزاد حبه في قلبي حتي صار ذكر اسمه يدفع في كياني معاني الشجاعه والبطولة.
للحظات خالط كياني معاني الحزن وكأني اري دموع الرسول -صلي الله عليه وسلم- وهو ينعي عمه بعد ما مني به جيش المسلمين من هذيمه اثر معصيه الرماه ,انتبهت علي صوت زميلي وهو يذكرني بحادث السيل من بضع سنين الذي جرف مقابر شهداء احد وكشف عن اجساد الشهداء فاذا هي دافئه تشجب دما ويفوح منها رائحه المسك وكانهم قد سقطوا شهداء لتوهم ,وتذكرت في تلك اللحظة قتلي قريش السبعين في غزوة بدر الذين اكلتهم الديدان بعد دقائق قليله من موتهم حتي عجز المسلمين من شده نتنهم عن نقلهم الي مقابرهم ,فامرهم الرسول -صلي الله عليه وسلم- ان يدفنوا في اماكنهم. فشتان ما بين تحريم الله اجساد الشهداء علي الارض فيمضي الزمن وتمر السنين وهي مازالت دافئه ومدرجه بدماءها وتفوح برائحه المسك وبين ديدان الارض لا تطيق صبرا حتي تنهش اجساد من حارب الله ورسول.
توجهت الي جبل احد , "احد جبل يحبنا ونحبه" صدق رسول الله -صلي الله عليه وسلم- .احد بحمرته وضخامته ,للحظات وددت ان اصعده ان اتقدم واحاول ان اصعده ولكن ناظري كانا معلقان به وانا استشعر كيف شهد هذا الجبل علي معركة فاصله بين الحق والباطل وكيف اعتصم به الرسول -صلي الله عليه وسلم- بعد شق صف المسلمين بغزوة احد ومن فوقه رمي سعد بن ابي وقاص بقوسه الكفار قريش فاسقط بهم ثلاث قتلي بثلاث رميات فكفهم عن ملاحقة رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ما رميت اذ رميت يا سعد ولكن الله رمي ,فسلام عليك يا سعد.
يمضي الوقت عليك بالمدينة فتشتاق الي العودة الي مسجد الرسول -صلي الله عليه وسلم- وما ان يقترب موعد صلاة العشاء حتي تهرع قلوبنا شوقا الي المسجد النبوي ولا تستقر الا وانت ساجد الي الله في مسجد رسوله.
لا تنتهي من اي صلاة مكتوبه الا وينادي الامام الي صلاة جنازة حتي بعد صلاة التراويح والتهجد ينادي الي صلاة الجنازة ما بين رجل متوفا وامرآه وطفل او مجموعة قد توافاهم الله ,بالفعل لم تمر صلاة دون صلاة جنازة ,فتشعر ان الموت من حولك في كل مكان وايامك بالدنيا قد صارت دقائق وثواني وكفي بالموت واعظ.
بعد صلاة فجر يومنا الثاني توجهنا الي زيارة البقيع ,حيث قبور كثير من اصحاب الرسول -صلي الله عليه وسلم- وكذلك قبور كثير من عوام المسلمين ,زيارة القبور مباحة لاخذ العبره والعظه وكان استكمالا ايمانيا ان تشعر انك تقف علي اولي عتبات بوابه الاخرة حيث لقاء الملك الجبار.
باليوم الثالث توجهنا الي المسجد ذو القبلتين ,هنا حيث تحول المسلمين من التوجه في صلاتهم الي المسجد الاقصي الي المسجد الحرام كيث كانت تهوي القلوب اليه كقبله ,وبداخل المسجد تجد ان قبله المسجد الاقصي بمؤخرة المسجد مما يعني انها كانت فعلا الصلاة الوحيدة الذي تقدم فيها المصلين علي الامام حين بلغهم امر تحويل القبله.
مر ما تبقي من رمضان بالمدينة المنورة اسرع مما يمكن واقبل العيد ,وحقيقتا كل ايامنا بالمدينه كانت عيد ,فالعيد هو هذا اليوم الذي يلقي الله في قلبك محبته فتجد من حولك يحبك بحبه ,وهو ذلك اليوم الذي يوفقك الله فيه الي مرضاته وييسرها عليك في عباداتك وتعاملاتك واخلاقك ,وهو ذلك اليوم الذي تصفو فيه نفسك من اي حقد او شحناء من المسلمين فتبيت يومك وقد سامحت واستغفرت لكل من تصادم معه خط سير الحياه ,وهو ذلك اليوم الذي تصعد فيه روحك الي باريئها فتبشرك الملائكة برب عنك راضي غير غضبان.


81 شوال 1432
10:30 ليلا - توقيت مكة المكرمة
مدينة الباحة
 
توجهت إلى قمة الجبل حيث يقع موقع تنفيذ مشروع انارة لغابه مهران, غابه صغيرة من الاشجار الكثيفه فوق قمة الجبل ,تغذيها مياه الامطار وتزين قمة الجبل بلونها الاخضر المتميز. هنا وسط الصحراء تنمو غابه ,امر لم اصدقه الا بعد ان تركت السيارة وترجلت بين اشجارها واعشابها. منذ دقائق قليله كان علي يميني وعلي يساري صحراء قاحله والان ان اقف في وسط غابه بعد ان استعنت بدفع السيارة في بلوغ قمة الجبل. من جفاف الصحراء الي شلالات المياه وهي تتصبب حولك بصوت خرير المياه البديع. من صفراء الصحراء الي خضراء الغابات والفاصل بضع الكيلو مترات. من اشعة الشمس الحارقه الي الظل الظليل والانتقال ميسور. من الهواء الساخن الجاف الي النسيم العليل والفاصل ليس ببعيد.
لدقائق لم احصيها ذهب بصري لابعد ما يكون ,نظرت من القمة الي اقصي ما يبلغه بصري من الافق ,هناك قمم صغيره وجبال تنتشر حول قمتي في كل مكان. تتلون الجبال من حولي فهذا اصفر باهت وهذا قد احترق الي البني وهذا قد تغير لونه الي الرصاصي ومن هناك يبرز احدهم وهو يكسوه الاحمر في وقار وهذا يتواري خلف سحابه منخفضه وهو يتفاخر بزيه الذي جمع كل الالوان. تناسق عجيب وحفل رائع اجتمعت فيه ابدع الالوان وتبارت فيه الجبال بتكويناتها البديعه الي خطف الانظار بكل اقتدار.
انتبهت ونظرت تحتي ,فقدمي لا يفصلها عن الحافه الا بضع سنتيمترات ,وتوازني مع شدة الهواء يكافح لحفظي من السقوط ,وتحتي امتد سفح الجبل بصخوره ورماله وحجارته ,ومن بين كل صخره واخري خرجت نبته صغيره تنظر الي السماء بوريقاتها الصغيرة في انتظار مياة الامطار. صخور كبيره وصغيرة وصخور صغيرة وكبيرة امسكت وتشبثت بالجبل وكانه الاب الحامي لاطفاله الصغار. ومن بين هؤلاء جميعا برزت صخرة عظيمه , تخرج من اصل الجبل وكانها صلبه وعماد انتصاب هامته ,وبالاسفل منها يحمر لون الجبل خجلا بعد الاخضرار  ,ويتغير لونه رويدا حتي الاصفرار.
من بين الاعشاب انتبهت لحركه سريعه ,ومن بين سيقان بعض الورود برز أرنب يقفز بنشاط. ارنب ينعم بحريته هنا اعلي الجبال ,يملك هذه الجنه الصغيرة طالما كانت حريته ملك قفزته ,واينما سار لا يجد حواجز ولا حجر علي المسار. ينعم بقوت يومه ولا يخشي الا الجبار.
السحاب هنا قريب والقمة مرتفعة بشكل يدفع الرهبه في القلوب ,فظننت انه لا علو فوق ما وطاته قدمي واذ بصقر يحلق فوق رأسي ,مازال فوق كل قمه قمم اخري لم يبلغها الرجال. ومازال فوق كل علو ارتفاع وبراح. والسماء من فوقنا جميعا تبتسم في اشفاق.
التفت حولي الي غابه الاشجار ,والاغصان تتمايل مع الرياح ,وتتعانق في دلال ,وجذور الاشجار تلتف تحتضن بعها بعض في صورة من اروع صور الود والحنان ,وبين كل شجره وشجره قد امتدت جسور من الاغصان وكانها لغه حوار وتفاهم حتي تستمر الحياه.
اصوات صياح تتعالي من مكان ما! هناك من يعبث ويمرح هناك. انهم القرود الجبليه يثيرون جلبه ويلاحق بعضهم بعضا كلما عثر احدهم علي احدي الثمار. ومجموعة اخري تجري علي السفح في كل مكان مثيرة الغبار. وارنبي الخجول قد افزعه الصياح فتواري عن الانظار. وكل ما حولي منظومه ابدعها الخالق تخطف الابصار.
العمل يناديني فطريق الغابه في انتظار تنفيذ الاضاءه لكل من سلكه من الزوار ,فتلفت حولي اودع غابه قد حركت خواطري وخلبت لبي واخذت عقلي ونالت مني كل الانبهار. فسبحان خالق الكون رب العرش البديع الغفار.

9:12 مساءا بتوقيت مكة المكرمة
9 شوال 1432 الموافق 7 سبتمبر 2011
مدينه الباحة
منذ ان قدمت الي المملكة العربية السعودية ونصيحه صديقي العزيز محمد عبد الرحمن ترن في أذني. فمحمد عبد الرحمن قد سبقني الي هنا منذ سنوات وعاد واستقر في مصر وحين حدثته انني علي وشك السفر الي ارض السعودية اخذ نفس عميقا وشرع في وصف كل شيء عن تجربته السابقه بما حملته نفسه من انطباعات اوليه وكيف تغيرت الانطباعات وما واجهه هنا وكيف تعايش وتكييف مع الاحوال وكانت اولي انطباعته واحساسه هي الاحساس بالرغبه في العودة الي الوطن وكره هذه البلد الجديدة وبصحراءها وجفاف اهلها وماديتها المطلقه ,وقد كان ما وصف صحيح وما حكي لي اصح وما انطبع داخله من مشاعر وانطباعات هو نفس ما حاك داخلي منذ اللحظة الاولي.
لم يدعني محمد في ذلك اليوم الا ووجه الي مجموعه من النصائح وكان اولها نصيحه زيارة بيت الله الحرام في اقرب فرصه تتاحي لي عند وصولي ,ولان موقع عملي وسكني لا يبعد كثيرا عن مكة المكرمة فقد كان هذا في المستطاع بمجرد وصولي واستقراري في عملي وزاد من جمال الفرصه توقيت المجئ ,فهذا شهر رمضان قد اظلنا ومن حولي كل زملاء العمل لا يتحدثون الا عن العمره وزيارة البيت الحرام.
محمد حين نصحني كان تعليل نصيحته هو ما سوف اشهده من ارتياح للبلد بعد عودتي من بيت الله ,وما سوف اشعر به هدوء نفسي تجاه هذا البلد الذي يحوي ام القري وبيت الله الحرام ,صدق محمد واهداني اعز نصيحه ,فجزاه الله عني خير الجزاء واعزه ورزقه من فضله , وله مني كل تحيه.
الرحله الي مكة تحتاج الي سيارة ,لم اتدبر سيارة هنا بعد! "الحل بسيط" ,هكذا اخبرني زميل بالعمل واستطرد قائلا "هناك مكاتب تنظم رحلات من الاربعاء عصرا الي الجمعة ليلا وبتكلفه رمزيه وهذا كل اسبوع". اذن الطريق متيسر لمن قصد بيت الله للعمرة. بادرت الي ان اذهب الي الحجز والاستعداد ولكن شيء ما منعني ,لست ادري ما هو ولكن كان داخلي شعور اني اريد ان اقضي مده اكبر من ثلاث ايام فقط في الحرم ,ثم ان الرحله تشمل مكة فقط! أين نصيب مدينة رسول الله -صلي الله عليه وسلم- من الزيارة ,لم اتخيل زيارة البيت الحرام والاعتمار دون زيارة مسجد الرسول -صلي الله عليه وسلم-. عاودت السؤال عن توافر رحلات الي المدينه ايضا ,فعلمت عن توافر رحلات شامله مكة والمدينه ولكن خلال نفس الفتره الزمنيه الضيقه ,فقط ثلاث ايام وليلتين. والسبب معروف عن اقتصار الرحلات علي هذه الايام. فالدوام (ساعات العمل كما يسمونها هنا) في الجهات الحكوميه -فانا اعمل بالامانه- (الامانه مرادف للمحافظة) يعطل يومي الخميس والجمعة. صحيح اننا لا نحظي بتعطيل يوم الخميس بسبب احتياجات العمل كما يدعي مدير المشاريع ,ولكن علي اقل تقدير لن يمانع هذا المدير من الحصول علي اجازه بيوم الخميس للذهاب الي مكة.
ولكن نفسي لم تميل الي الرحلة بهذا الشكل ,كانت تشتاق الي رحلة اطول وفي توقيت اعظم ؛فانتظرت الي العشر الاواخر ورزقني الله بمجموعة من زملاء العمل يرتبون لقضاء نص العشر الاواخر بمكة المكرمة وقضاء العيد بالمدينة المنورة. وهذا ما كنت ارغب فيه بالفعل. خمس ايام بمكة المكرمة والعيد في المدينة المنورة ,فيا له من عيد!
مرت ايام رمضان سريعا ولم اشتري احرام بعد ,كيف لي ان اؤدي العمرة دون احرام. بحثت عنه في السوق هنا ولم اجد ,فعدت الي زملائي اسأل عنه فاخبروني ان الافضل هو شراءه من ميقات الاحرام فلا داعي للقلق.
منذ سنوات تتجاوز العشر وقع تحت يدي كتاب موجز للفقه الاسلامي يشمل التعاملات والعبادات والعقيدة ,ولاني قارئ نهم فلم ادعه الا وقد اننهيته من اوله الي اخره ,عدا فصل واحد لم احاول التطرق اليه الا ببعض النظرات السريعه. كان هذا الفصل عن فقة الحج والعمرة. حتي اليوم لا اعلم لماذا تركت هذا الفصل دون غيره ولماذا لم يتطرق بي حتي الفضول الي قراءته ولو سريعا ,والاعجب اني سنويا حين كنت اجلس امام التلفاز يوم عرفه او اسمع من شخص يتحدث عن رحلة الحج او العمرة اجدني لا اتذكر ماهيه المناسك او كم عددها او كيف ترتيبها ,كانت دوما معلومات ضحله ولم احاول تنميتها الا بالقليل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. يبدو اني لم اكن اتخيل انه سوف يتيسر لي الحج او العمرة الان. او انه نوع من انواع التقصير من طالب فاشل يصر علي تاجيل الاستذكار الي قبل الامتحان بيوم.
اخبرني صديق مقرب لي انك ما تركت درس من دروس الدراسه المقرره عليك الا وندمت عليه حين تتخرج حين تجد نفسك تقف امامه في حياتك العمليه ولا سبيل الا العودة واستذكاره. في البدايه استنكرت كلامه ولم اصدقه ولكن حين اندمجت في الحياه العملية واخذني تحدي العمل اصتطدمت بحقيقه قول صديقي. فما من درس او امر كسلت عن المرور عليه بقوة واستذكاره بوعي الا وعاد لينتقم مني ويقف في طريقي مخرجا لسانه متحديا لي. هذا ما حدث مع ذلك الفصل الذي اهملته من الكتاب. ولكن لم يكن الامر صعب كما في مجال الهندسه. فديننا لا يحتاج ان تتذكر كل الفقه وتذاكره من جديد حتي تستوعب وتفهم فصل من فصوله. والان حان وقت الرحلة.
لم اختر من سوف يصحبني ,الامر معد له من قبل زملائي وانا لا اعرف احدهم اكثر من الاخر ,كلهم لدي سواء مجرد تعارف سطحي بناءا علي غربه جمعتنا هنا. ولو كنت في اي رحله عاديه لما خرجت ابدا مع اناس كل معرفتي بهم لا تمدد الا لعدد محدود من الايام. ولكن دوما الغايه والهدف حين تكون في سبيل الله تسموا بكل شيء. فيوفقك الله الي اناس يزداد حبك لهم طول طريق الرحلة وتتعلق بهم اثناء الرحلة وتودعهم بحراره حين نتتهي الرحلة. ولا يمكني ان انكر ان اولي اسباب نجاح اي رحله تكمن في الصحبه ,هذا بعد توفيق الله عز وجل.
من اول لحظة تحركت فيها سيارتنا وهي تنطلق علي الطريق وعيناي معلقه بالصحراء من حولنا وناظري يرقبان الجبال وخاطري يرسم صورة رحلتي دون سيارة وعلي جمل وسط وحشه الصحراء ووعوره الجبال وظلام الليل الذي تكافحة مصابيح السياره في استماته لتفسح مجال الرؤيه لاندفاعنا علي الطريق.
انطلقنا الي الطائف حيث الميقات وحين بلغناه وجدت نفسي امام سوق من كل الجنسيات والجميع يتسابق الي نزع ملابس الدنيا ولبس ملابس الاخرة. فما اشبه الاحرام بالكفن. بلا جيوب ولا تفصيل ولا اي ملامح مميزة. فقط ازار (هو ما يلف حول الخصر) وقطعه اخري تلفها حول عنقك لتغطي كتفيك. تغتسل وتتطيب وتستجمع النيه وتلتف بملابس الاخرة.
احساس جديد داخلني ,هو فرحه فاللون الابيض للاحرام يبعث البهجه في النفوس ,خاصتا حين تجد كل من حولك قد التف بالابيض وكاننا نسعي الي النور ليشع من اجسامنا بعد ان غشانا الظلام ايام وليالي. ويخالط فرحتك خشوع وانت تنظر الي ملابسك المزينة وقد خلعتها وتركتها خلفك واتجهت الي اقل ما يقال عليا ثياب وكانك تزهد في متاع وزينه الدنيا وتبعدها عن ناظريك حتي لا تتذكر الدنيا في رحلتك الي الله.
من الميقات الي مكة طريق يمتد من قمه جبل الي اوديته مرورا بسفوحه ,طريق عملاق يعتنق الجبل ويدور حوله ويتشبث به بعنف. يدعي طريق "الهدا" وهو عمل هندسي عملاق ان تشق طريق معلق علي جبل. لم اسال عن اسم الجبل من روعه مشاهد الطريق ,نفس مشهد مدينتي وانا في الطائرة يتكرر معي. علي قمة الجبل والدنيا من تحتك مجموعة من النقاط المتناهيه الصغر. فالجبل مرتفع للغايه وسيارتك متشبثه به وهي تدور في حلقات حوله ومكة علي مرمي البصر كبقه نور تتلألأ وسط نجوم الارض.
علي اعتاب مكة اشعر بقشعريرة وبداخلي شوق الي الوصول سريعا ,ويوقف سيارتنا الامن ويشير الي ضرورة التخلي عنها واستقلال حافله مع المعتمرين حفاظا علي عدم ازدحام مكه بالسيارات. بداخل الحافله لا تري عيناك الا ملابس الاحرام وقد التفت علي مزيج عجيب من الناس. فهذا احمر البشره يبدو تركي ,وهذا اسود البشره ملامحة سوداني ,وهذا اصفر البشره مسحوب العينين بالتاكيد صيني ,وهذا مصري شعرت به من روحه وابتسامته. هذا كهل كبير يجلس في تهالك وهؤلاء شباب اقوياء برزت فتوتهم من ملابس الاحرام. الجميع هنا من اجل هدف واحد.
مكة المكرمة محاطه بالجبال ,انا اعلم هذا وكذلك الحرم المكي محاط بالجبال ,ليست معلومه جديدة. ولكن الجديد اني نسيت هذا كله وطوال رحلة الحافله من بوابه مكة حتي الحرم وانا انظر يمينا ويسارا بحثا عن البيت الحرام لعلي المحه من بعيد. ولم اجده ,فقط شعرت باقترابنا حين شاهدت ساعة مكة المكرمه وهي تشق السماء بنورها الاخضر الهادي و تشير الي انتصاف الليل.
تركنا الحافله وترجلنا في اتجاه الحرم ,الكعبه الشريفه بداخله وحين تقف خارجه وعلي مقربه منه لا تراها. زملائي يتحركون ببطء ,او هكذا خيل لي ,اريد ان ادفعهم امامي مشتاق ان اري بيت الله ,وصبري ينفذ كلما احسست بقرب المسافه. لا اتذكر كيف قطع الساحة الخارجيه امام باب الملك عبد العزيز ولكني اتذكر جيدا تلك اللحظة التي انعطفت فيها ليقع ناظري علي بيت الله الحرام.
سكنت لحظات وتعلقت عيناي بسواد الكعبه وشعرت ان قلبي يسكن وروحي تهدء وكياني يسبح في بحر من السكينه والطمئنيه. لم اعد اشعر بدقات قلبي او حتي بقلبي نفسه. دفعني زملائي امامهم هذه المره. وبدأنا مناسك العمرة.
اعوذ بالله السميع العليم وسلطانه القديم ومن الشيطان الرجيم وبدأنا الطواف , اين الحجر الاسود؟ الزحام حول الكعبه شديد. اشار زميل لي رافقني طول العمره الي علامه خضراء ويقابلها من ناحيه الكعبه زحام اشد لمن ينتظرون تقبيل الحجر الاسود كما فعل الحبيب المصطفي -صلي الله عليه وسلم-.
في طوافك حول الكعبه لا تشعر بالزحام ,لا تشعر بحراره الجو ,لا تشعر بمن حولك ,لا تشعر الا بجلال وعظمة الخالق سبحانه الذي جاء الي بيته من كل فج عميق اناس هوت قلوبهم الي حبه ,جاءوا يرجون رحمته ويخشون عذابه ,جاءوا يسعون الي مرضاته ,جاءوا يعظمون شعائر الله لعل قلوبهم تكتب من قلوب المتقين. وفي ليله الخامس والعشرين من رمضان والجميع يتلمس ليله القدر ويبحث عن العتق من النار والفوز بالجنه ,كان المشهد عظيم.
تذكرت يوم القيامه فنحن جميعا هنا والدنيا قد فنت فماذا نحمل من اثقال افعال وذنوب قد تمادينا فيها ! وكم نحمل من افعال الخير نتقدم بيها ,الدنيا هانت كثيرا حين تجردت منها وسعيت الي هنا وجيئت معتمرا بيت الخالق الجبار تطلب عفوه ورضاه.
اشواط الطواف سبع واشواط السعي سبع , والسموات سبع ,والاراضين سبع ,وايام الاسبوع سبع ,هناك دوما حكمه من تكرار هذا الرقم ولكن عقلي لم يتوقف هنا كثيرا. وما بين الشوط الثاني والثالث انهالت مشاهد حياتي. كل من عرفته وجدت صورته امامي فدعوت له ,كل من احبته وتاثرت به واكننت له احترام مر امام عيني فسألت الله له , وكل من كرهته او ابتعد عنه ورغبت عنه مر امامي فاستغفرت له. لا اريد الا الخير الان ولم اعرف سواه ,فهذا مقام التسامح ,مقام الاخوه ,مقام السمو , فلا يليق به الا الدعاء.
مرت الاشواط سريعا وها انا في الشوط قبل الاخير انظر الي بيت الله الحرام : اللهم زد هذا البيت تكريما وتعظيما . حاولت الاقتراب بحذر من الحجر الاسود. وفي الشوط الاخير استلمت الركن اليماني (وهو ركن الكعبه الذي يسبق مكان الحجر الاسود مباشرتا) بيميني بالكاد لامسته ولم ارغب في المزاحمه ,وحاولت الاقتراب من الحجر الاسود ولكن هناك طوابير تنتظر لتقبيله فاشرت اليه ومع اشارتي ارتفع صوت امام الحرم بالتكبير معلنا بدايه صلاة التهجد.
لم اتمكن من الصلاه خلف مقام ابراهيم ,الطواف شغل كل ساحة الحرم ومن بعدهم يقف المصلين لصلاة التهجد ,بحثت عن مكان ولكن عز علي ان اجد مكان اصلي به ركعتين ,بحثت اكثر حتي صليت واتجهت الي الصفا.
ان الصفا والمروة من شعائر الله ,بتلك الكلمات بدأت السعي ولم اكن ابدأ حتي وجدت امامي اثنين من زملائي بعد ان تفرقنا وسط الطواف ولم نكد نمشي خطوات قليله حتي لقينا بقيه الزملاء ,كانت من الامور العجيبه ان تلتقي بهم وسط هذا الزحام ,وشعرت انها رحمه من الله ان يجمعنا مجددا. وها انا اتذكر السيدة هاجر وهي بين الصفا والمروة تبحث وتبحث ولا تجد حتي تنزل رحمه الله وتستقر عند زمزم.
ماء زمزم هناك في بدايه طريقك من الصفا الي المروة فتوجهت اليه ,كم اشتقت الي هذا الماء منذ اخر مره شربته ,اتذكر هذا الكوب من الماء الذي اعطاه الي ابي حين عاد من العمره منذ سنوات طوال وقال لي هذا ماء زمزم. يومها شربت شربه ورفعت الكوب انظر الي الماء ,هل هذا الماء مخلوط باللبن؟ سالت والدي فنفي ,وشربت مجددا ,هذا الماء لا يشبه اي ماء اخر شربته من قبل! ,اشعر كاني اتناول طعام وليس شراب ,حتي افرغت الكوب بالكامل. وها انا الان بالقرب من نبع زمزم. الجميع يشرب ويحمد الله ,ملأ ليا كوب شخص لا اعرفه ولكن لمجرد اقترابي وكان علي وشك ان يتناوله انزله ودفعه الي وتكلم بلغه غريبه اعتقد انها الارديه ,فملامحة افغانيه ,لم القي بالا له كثيرا ولكني انزويت في جانب وشربت من ماء زمزم , لم يتغير طعمه كما هو كما شربته من زمن بعيد ليس ماء وفقط ولكنه يمنحك شعور بالشبع ,وتجد نفسك لا تريد ان تكف عنه ,ومن كوب الي كوب حتي اكتفيت وارتويت وشبعت وأكملت سعيي. حسب علمي ان العلماء قاموا بتحليل ماء زمزم وقد وجدوا انه يحتوي علي جميع العناصر والمعادن والاملاح التي يحتاجها جسم الانسان ولا تتوافر في المياه العادية ولكن جزء كبير منها يتوافر في الاطعمة وهذا يفسر سر كون ماء زمزم طعام طعم كما اخبر الرسول -صلي الله عليه- وكما ورد في السيرة ان احد الصحابه قد مكث في الحرم ثلاثين يوم طعامه فقط ماء زمزم حتي زاد وزنه وتكسرت بطنه (اي ظهر له كرش صغير).
هرولت او ركضت ركضا خفيفا بعد بداية الشوط الاول بمسافة صغيرة ,هنا الموضوع الذي هرولت فيه السيدة هاجر خوفا علي ابنها وجزعا عليه. عاودت السعي مشيا بعد انتهاء حد الهروله وشرعت في الدعاء ,هذه المره لم اتذكر اصدقائي ولكن كان الدعاء من نصيب اهلي ,والدي ووالدتي واخوتي. احسست انهم معي وحولي وانا ادعوا لهم ,صورهم كانت تدور حولي واصواتهم كانت تتردد في اذني وتشعرني بدفء جميل.
اتممت سبع اشواط والان حان وقت التحلل من الاحرام بقص الشعر وتغير ملابس الاحرام ,توجهت الي خارج الحرم حيث الحلاقين ثم شرعت الي الحمامات العامه لاغتسال وتغيير ملابسي. ورغم كبر وتعدد الحمامات بشكل ملحوظ الا ان الزحام كان شديد ,كان هناك طوابير امام كل وحده والجميع يقف في هدوء ينتظر دوره ,دوما في اي مكان تذهب اليه تلاحظ تعدد الاجناس بشكل ملحوظ ,ولكن اكثر ما تنتبه اليه حين نتحدث عن الاجناس ان اكثر من سوف تقابلهم في الحرم هم المصريين ,بمنتهي البساطه تعرفهم ,وكلما تقابل نظري مع احدهم سألته: مصري؟ فيقول نعم وهو يضحك ,وتأكدت ان ملاحظتي صحيحه.
قبل اذان الفجر بنصف ساعه كنا قد انتهينا من مناسك العمرة وتحللنا وعدنا الي المسجد الحرام ,صعدنا الي الدور الثاني ولم يكن معنا اي طعام للسحور وما تبقي من الوقت لا يكفي للخروج لشراء طعام ,تذكرت ساعتها ماء زمزم , اذن فليكن سحورنا ماء زمزم ,شربنا حتي ارتوينا وشبعنا وتوجها لصلاه الفجر ,كانت اول صلاه لي خلف امام الحرم هي صلاه فجر يوم الخامس والعشرين من رمضان ,اذان الحرم المكي لا يمكن وصفه ,هو الاذان بنفس الكلام ولا شك ولكن عذب صوت المؤذن وروحانيه المكان وقدسيه رمضان اضفت رونق لا يوصف علي كل عبادة تؤديها حتي لو كانت مجرد ترديد الاذان خلف المؤذن.
من نعم الله علي الحجاج والمعتمرين ان جو مكة دائما دافئ ,فقد تضطر الي الصلاه علي رخام الحرم او علي السلالم من شدة الزحام ولكن لا تشعر الا بدفء الجو من حولك. تراحم المصليين من حولك وتوادهم تضفي علي المكان روح رائعه. وتجدك تحب من حولك دون ان تعرفهم ,انك بجوار البيت الحرام.
ما ان انتهينا من صلاه الفجر حتي طرح السؤال :أين سوف نبيت ليلتنا هذه؟ نحن بالتأكيد رتبنا لرحلتنا واعددنا لها كثير ولكن لم يكن لنا مندوب بمكة حتي يدبر لنا سكن قبل ان ناتي وكان المخطط ان نبحث بانفسنا عن سكن ومع توافر سياره معنا لم يكن بعد السكن عن الحرم مشكلة. ولكن نحن الان في منتهي التعب وبعض الزملاء يصر علي التحرك الان للبحث عن سكن. تحدثت الي المتحمسين للبحث واقنعتهم ان نرتاح قليلا بالحرم وبعدها نخرج للبحث عن سكن. وبالفعل اقتنعوا وجلسوا للراحه وكنت اعلم ان السكينه والطمئنينه التي نجدها بالحرم كفيله بان ينام الجميع بعد دقائق ,وبالفعل صدق حدسي وما ان تلفت حولي حتي وجدت الجميع قد ناموا وراحوا في سبات عميق.
لم نستيقظ الا قبل الظهر بساعة ,نمنا بشده وكان نوم هانئ الي ابعد الحدود ومكثنا بالحرم حتي اذان المغرب فافطرنا علي تمر ولبن وماء زمزم وصلينا التراويح وخرجنا نبحث عن سكن.
لكل شيء طعم مختلف بالحرم ,قراءه القرآن ايضا تختلف فلا تمل ولا تكل منها وتجد الساعات تمر وانت تقرأ وتقرأ بذهن صافي وعقل متدبر ,لعله توفيق من الله. من وقت الي الاخر اجدني اشتاق الي النظر الي الكعبه فاترك كل شيء واذهب اليها انظر واتأمل ويسرح خيالي الي عصر صدر الاسلام ومعاناه الرسول -صلي الله عليه وسلم- والصحابه من اجل ايصال هذا الدين الينا. هنا من المكان يفوح عبق تاريخ من النور ,تاريخ نور الهداية ورساله التوحيد.
كان مقرر ان ننتظر بالحرم المكي الي يوم العيد ولكن شدة الزحام كانت عائق امامنا لهذا ,لم نجد سكن وما وجدناه يفوق ما معنا من اموال بكثير ,وازدحام الحرم يجعل الاعتكاف فيه مرهق وتحتاج الي مكان اخر لترتاح فيه فلا مكان لموطئ قدم في الحرم والا ويوجد بها عابد يذكر الله او قائم يصلي او يقرأ القرآن. لذا قررنا ان نكتفي بيومين بالحرم المكي وننطلق الي مدينه رسول الله -صلي الله عليه وسلم- لنكمل رحلتنا الايمانيه ونقضي العيد هناك ,وكانت رحله اخري تستحق التسجيل.

يتبع
8 شوال 1432
11:30 ليلا - توقيت مكة المكرمة
مدينة الباحة

نظرت من قمرة الطائر الي محركها وهو كالعملاق يتدلى من جناحها وسط ظلام الليل. هى الاولى لي ان استقل طائرة وحرصت ان يكون مقعدى بجوار النافذة فأذا بى أجد المحرك يرقد بجوار نافذتى في هدوء والطائرة تستعد وتتزين بركابها. ما أن اكتمل العدد واعلن الاستعداد وضروة اتباع تعليمات الامان حتي سمعت صوت المحرك يتصاعد رويدا مع تحرك الطائرة في اتجاه المدرج استعداد للحظة الانطلاق.
حين تسلمت الطائرة بداية المدرج توقفت وخف صوت محركها وكأنها بطل من ابطال سباقات الجرى يلتقط انفاسه الاولي استعداد لسباق طويل. للحظات بدت كانها ساعات لم يحدث جديد وفجأه عاد صوت المحرك ليس رويدا ولكن زئيرا ارتفع بشده ليعلن عن عزمه وقوته وبشده ازدادت حده هديرة والطائر لم تتحرك من مكانها وكانها قد ثبتت في المدرج بمسامير خفيه. لحظات واطلق الربان مكابح العجلات وكأنه اطلق جماح اسد هائج حانت لحظة انقضاضه علي فريسته بعد طول ترقب وانتظار. هكذا عبر محرك الطائرة عن قوته ودفعنا بقوه عبر المدرج الي السماء.
شعرت ان يد خفيه لعملاق هائل قد اسندت ظهري الي راحته تدفعني الي الامام ,شعور هائل مزدوج ان تشعر بالانطلاق بتسارع هائل وكانك تهرب من الدنيا الي السماء ,يخالطه شعور بالضعف فها انت تدفع بقوه هائله تشعر معها بمدي ضائلتك وعجزك عن وقفها او حتي التأثير فيها !
تغادر الارض الي السماء ,تترك الارض بصخبها وزحامها الي السماء بهدوءها وبراحها ,تترك الارض بشجارها وشحنائها الي السماء بصفاءها ونورها ,تهرب من الارض الي السماء محلقا ,كأنما طير حبيس قد المه حبسه وحانت لحظة هروبه من قفصه ؛هروبه من الحبس الي الحرية ,من الضيق الي السماء.
للحظات شعرت ان الارض تأبي ان تتركني أرحل ,فتعلقت باجسادنا فجذبتها بشده ,وبارواحنا فتشبست بقوة ,وبعقولنا لتعيدنا اليها. هي لحظات فارقه بين ان يقوي محركك علي دفعك للهروب من سيطرة جاذبية الارض وان تفشل فتعود اليها محطما ,هي دوما لحظات او لحظه واحده تفرق بين النجاح والفشل ,بين الصعود الي القمه والسقوط الي القاع ,بين التحليق في السماء والخلود الي الارض ؛دوما هي لحظات او لحظة تفرق فاستعد لهذه اللحظة.
وحلقت الطائرة في الهواء ,عجلاتها لم تعد تلامس الارض ,وأجنحتها تعانق الهواء ,تستند عليه وتسير فوقه. شعور انك اصبحت هناك في السماء وتري الارض اسفل منك تبتعد ,انت تبتعد وهي تبتعد ,ان تشعر ان روحك قد تحررت وانك من القوة ان تدفع الارض خلفك هاربا وتحتضن السماء مسافرا.
نظرت مجددا من قمرة الطائرة الي مدينتي وهي تتشكل اسفل مني في مجموعه من نقاط الضوء الخافت ,كل شيء اصبح صغير تكاد لا تشعر بقيمته ,كل شيء ظهر علي حقيقته فكم هو شامخ علي الارض تشعر بعظمته ,فكم هو ضئيل من السماء تشعر بتفاهته. الدنيا تصغر في نظرك ,تتجمع بكل ما فيها لتبدو من قمرة الطائرة كانها صورة مهمله في معرض للصور الفوتوغرافية. بكل ما تحتويه دنيتك من تفاصيل تاخذ عقلك ليل نهار ,تجمعها الان في نظرة من السماء لتشعر بضائلتها وتفاهتها وخداعها لك.
كم هو رائع ان تشعر بالتباين حين تمر الطائرة بك فوق صحراء ؛ما بين رفاهية كابينه الطائرة ووحشه خارجها , بالداخل الحرارة معتدله وتخبرك شاشات العرض ان حرارة الخارج قد انخفضت الي ما دون الـ 40 درجه تحت صفر التجمد. هنا الانارة تبعث في نفسك السرور والامان وبالخارج الظلام يكاد يفترس روحك ان استطاع اليها سبيلا. بالخارج صحراء ان قطعتها فسيرا علي الاقدام وبطائرتك تمر دقائق حتي تجد ان الصحراء قد طويت ولا تتذكر منها سوء لمعان نور القمر علي صفحة رمال وجبال الصحراء.
نظرت مجددا الي محرك الطائرة وانا استشعر قوته مجددا ,شعرت للحظات انه ينظر إلي ليخبرني كم هو رائع هذا الانسان حين صنع محرك فحلق في السماء ,وكم هو عظيم رب الانسان حين منح عقلا مكنه من قوة هادره فحلق في السماء. تمنيت للحظات ان استمر محلقا ولكن لكل رحله ميقات انتهاء. وحين يأتي الميقات فلا مفر من العودة الي الارض حتي يأتي ميقات رحلة الانتهاء.

14 اغسطس 2011
14 رمضان 1432
الساعه 11:41 دقيقه بتوقيت مكة
بالمملكة العربية السعوديه

رسالة من الطاغيه بشار الاسد الي المجلس العسكري المصري
لا يغرنكم ان ثورة المصريين كانت سلميه فلم تمس اين منكم بعقاب وانتم من سكتم علي ظلم وفساد علي مدار ثلاثون سنه متواصله بس عملتم علي تدعيم نظام مبارك الفاسد بكل السبل وزياده معاناه الشعب المصري ضعفين وانتم من تملكون السلاح وتقدرون ان تغيروا دفه الصراع في عز الظلم الواقع علي الشعب في صالح الشعب.
لا يغرنكم ان رؤسكم مازالت تتحرك فوق اعناقكم وانكم ومع ثورة الشعب ضد الطاغيه لم تمتد ايديهم اليكم فتعيث فيكم انتقاما علي ما اقترفتموه في حق الشعب المصري المسالم.
لا يغرنكم ان السلطه منذ ايام قلائل كانت بكاملها في ايديكم ومع سعيكم بمنتهي القوه لضمان عدم خروجها من ايديكم قدر الله ان تخرج من ايديكم ,فلا تتمسكوا وتستميتوا في الاحتفاظ بالسلطه ولا تثيروا غضب الشعب المصري الي حد الجنون.
لا تغرنكم ما في ايديكم من قوه وسلاح –منحكم الشعب ايها لتحموه بها- واموال –نهبتموها من اقوات الشعب- وسلطه –امنكم الشعب عليها الي حين- ان تمعنوا في تمسككم بالسلطه وشروعكم الي احداث الكوارث والازمات حتي يبقي ما سلبتموه ونهبتموه واخذتموه عنوه في ايديكم دون الشعب ,فاليوم تصنعون الكوارث والازمات لهذا الشعب المسالم وغدا يرسل الله عليكم غضبه فيصيبكم من الكوارث بما اقترفته ايديكم ما يذهب عقولهم ويعجل بعقاب الله لكم في الدنيا قبل الاخر. فحذروا.
لا يغرنكم ان تحرك هذا الشعب دوما يكون سلميا فالشعب السوري كان يشبه الشعب المصري حتي امعنا في اذلاله واسقطنا منه شهداء كثير فخرج من صفوف جيشنا –ممن كنا نثق فيهم ثقه عمياء- من يشكلون جيشا حراَ يسعي الي اقتلاع رؤسنا قبل التحرير والثأر منا قبل اعاده بناء الدولة من جديد. حينها سوف تحولت عزتنا ذلاً واستهزاءنا بدماء الشعب الي رعباَ ومصيرا صار مكتوب امام اعينا ويراه القاصي والداني.
عودا الي رشدكم وسلموا سلطه الشعب الي اصحابها واردوا بما اختار الشعب يقف الشعب جميعه احتراما لكم ويتناسي ما اقترفته ايديكم في حقه والا فانتظروا سنه الله في الظالمين والمفسدين والطغاه ,فالله لا يخلف وعده ولو بعد حين."وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ" ص (88)

م/هاني جلال
18 يوليو 2012
الاسكندرية - جمهوريه مصر العربية

انتبه العالم العربي علي هرب طاغيه عربي بعد شهر كامل من ثورة الشعب التونيسي ضد ظلمه وفساده واستبداده. في لحظه لم يكن يتخيلها احد هرب الطاغيه خارج البلاد فارا من غضب الشعب ضد نظامه. وسرت الثورة كالنار في هشيم الانظمه الفاسده. ثارت مصر فتوقف العالم يرتقب , ووقف الانظمه السياسيه الاستعماريه في العالم اجمع مع النظام المصري وبطلب مباشر من اسرائيل لدعم كنزها الاستراتيجي كما اعلنت. ثم سقط الرئيس الفاسد وارغم علي ان يتنحي حين علت موجه الثورة واثبتت انه لا قوه تقف امام حشود الغضب. وبسقوط اكبر طاغيه بمنطقة الشرق الاوسط وقع المحظور واشتعلت شراره الثورة في اليمن وثارت ليبيا واعتصمت البحريين وخرجت الجزائر وتطلعت سوريا وصرخت الاردن واشرأبت اعناق جميع الدول العربيه ودخلت عمان علي الخط. لحظات فاصله تلك التي تعيشها الامه العربيه. تسعي بكل ما اوتيت من قوة الي حريتها. الي عزتها. الي كرامتها. الي مجدها وعودتها. بعد ان اذلت واستعمرت وانحطت وتسلط عليها عملاء وخونه باعوها واسلموها الي اعداءها علي طبق من فضه. واستعبدوا اهلها واذلوهم حتي صار المواطن العربي بلا ملامح تذكر له في العالم.
وحين حان وقت الثورة ,حين انبعث الامل في القلوب ,حين حانت اللحظه للتحرر ,حين انطلقت ثورة الغضب انطلق نحوها كلاب الانظمه فتاره ينهشونها فيتساقط ضحايا ابرياء ما خرجوا الا من اجل حريتهم ,وتاره يخوفونها فلا تزداد الا اصرارا وتحديا ,وتاره يثبطونها فتطرح عنها الخائفين علي اقواتهم والمرجفون المنهزمين من قبل ,وتاره يوعودنها فتنفض عنها قصيري النفس ذو العزائم الواهنه. وتاره يشوهونها فلا تازال تفضح كذابيهم وممثلي خداعهم. حتي تكون امام الثورة جيش من المرتزقه والخائفين والمرجفون والمنهزمين وقصيري النفس وذو العزائم الواهنه والكاذبون والمشوهون. ووقفوا جميعا في طريقها واجمعوا علي سده ومنع تقدمها. واقسموا علي اجهاضها قبل ان تحين لحظه خروجها كامله الي نور الحياه.
واعلنت الحرب علي الثورة المباركه ليس في مصر فقط وليس في تونس فقط وليس في ليبيا وفقط ولكن في كل قطر خرج شعبه من اجل استرداد حريتهم وهدم صنم الاستبداد والاستعباد وامتصاص الدماء. ودخلت الثورة ادق مراحلها فهل تستمر ام تتراجع؟ هل تنتصر ام تنهزم؟ هل تتقدم ام تتقهقر؟
وارتفع الاصوات داعيه الي التوقف والعوده. واخري داعيه الي الصبر والانتظار. وثالثه داعيه الي الحوار مع السارقين. ورابعه داعيه الي العفو عن الخائنين. وخامسه داعيه الي انتظار صلاح الفاسدين. وسادسه وسابعه وثامنه ...
وجميعهم لم يعوا التاريخ ,وان الباطل لم يكن ليمهل الحق فرصه ليري النور ,فأن راي النور عنوه خدعه الباطل بانه ليس النور ,وان عرفه وسار نحوه التف الباطل وحشد جيوشه للصدام وجرت الدماء انهار ,وان تمكن الحق من الباطل طلب الباطل الصفح والعفو ,فأن اطمئن له الحق انقلب عليه وباغته ,وان ابقي له الحق شوكه غرسها الباطل في ظهره. فلا سبيل الا بقطع السبيل الي التميكن كاملا حتي تشرق شمس الحق والعدل. ولا امل للثورة الا باكتمال جميع مطالبها وان تفتح باب العداله علي مصرعيه لتري فجر الحرية.