بالتأكيد بعد مهزله الأتوبيس السابقه وما حدث لنا معا حين لم نبالي بكل تحذيرات القراء وغامرنا وأستقلينا الاتوبيس, بالتأكيد بعد كل هذا سوف تفر من الاتوبيس كمن يفر من وباء الطاعون, وسوف تبحث مثلي عن اي بدليل اخر كوسيله مواصلات لعلها تكون أقل عذابا, وتحتوي علي اقل الحقوق الانسانيه, كحق العوده!

وحق العوده يختلف عن حق العوده للشعب الفلسطيني, فأنت حين تخرج صباحا من بيتك متوجها الي عملك او الي كليتك, متوكلا علي الله , فيجب ان تضمن انك بعد حربك الصباحيه في ايجاد وسيله مواصلات مناسبه تقلك الي عملك, يجب ان تضمن انك سوف تنتصر في حربك المسائيه من اجل ايجاد وسيله مواصلات تعيدك الي بيتك الذي خرجت منه طواعيتا صباحا, وهذا هو الاختلاف الجوهري بين حقك في العوده وحق الشعب الفلسطيني في العوده, فالفلسطينيين أخرجوا من ديارهم رغم ارادتهم ولا يستطيعوا ان يعودا بسبب سياسه الاحتلال, وانت خرجت من دارك صباحا طواعيتا, و ما يحول بينك وبين عودتك مساءا هي سياسه دولتك في أدارة وسائل المواصلات, وهذا ما دفع المواطنين من اهل هذا الشعب المصري الغلبان الي البحث عن بديل لمشكله المواصلات الحكوميه, او ما يعرف بالهيئه العامه للمواصلات والسكه الحديد, ومن هنا ظهرت فكره المواصلات الصغيرة الخاصه او ما يعرف بالميكروباص.

والميكروباص هي كلمه أنجليزيه مركبه وتعني الحافله المتناهيه الصغر, ويستعمل سكان القاهرة هذا الوصف وتقريبا سائر سكان مصر المحروسه, وقد تسمع تعبير "مشروع" و تجمع علي "مشاريع" وهو جمع اسكندراني سالم, يتفرد به سكان مدينه الاسكندريه دون غيرهم بين شعب مصر العريق, وبصفتي انتمي الي شعب مدينه الاسكندريه, فلفظ مشاريع هو ما سوف اعتمده في هذا المقال, فحاول معي ان تعتاد عليه لو كنت من سكان القاهرة.

وأصل كلمه مشروع عند سكان مدينه الاسكندريه نابع من كون هذه الحافله الصغيره كانت ومازالت تعمل كمشروع صغير- مصدر رزق –للآسر المصريه, والواضح ان هذا المعني قد وصل الي مختلف المصريين فتجد سكان مدينه القاهرة يصرون علي عدم غلق باب الميكروباص- كما يحبون ان يسمونه- لانه مصدر رزق ولا يجب غلقه حتي حين يكتمل عدد الركاب وينطلق الميكروباص.

اول ما سوف يجول في بالك حين تشرع في أيقاف مشروع, هي الطريقه المتبعه في أيقافه, فسوف تجد علي جانبي الطريق رجال ونساء وكذلك أطفال يشيرون اشارات غريبه رغبتا في أيقاف احدي المشاريع, والعجيب انك سوف تجد سائقي هذه المشاريع يبادلونهم أشارات اخري, فأن انطبقت اشاره الراكب مع أشاره السائق, توقف السائق علي الفور واقل الراكب, وان اختلفت مضي السائق ولم يعر الراكب اي أنتباه, وتتنوع الاشارات ما بين شخص يرفع السبابه الي اعلي مشيرا برقم واحد, وأخر يرفع يده بأكملها كمن يتحسس سقف وهمي فوقه, والاخر يشير بأصبعين كعلامه النصر, وتتعددت الاشارات وتختلف من مكان الي مكان أخر, فاذا كنت في "العجمي" وتريد ان تذهب الي "محطه مصر" فسوف تختلف الاشاره عن كونك في "الأبراهيميه" وتريد ان تذهب الي "محطه مصر"!!! في كلتا الحالتين وجهتك واحده ولكن أختلاف موقعك اثر بشكل مباشر علي اشارتك ذات المغذي.

وسوف تتعجب بشده حين تعلم ان أهل الاسكندرية ينفردون دون بقيه اهل مصر بأستخدام مثل هذه الاشارات تسهيلا في التخاطب ما بين سيارة تسير مسرعه وشخص يريد ان يعرف وجهتها!

حين تحدث المعجزة, وتتطابق اشارتك مع اشاره سائق المشروع, وتجد المشروع قد توقف لك في اي مكان حتي لو كان في وسط الشارع, فيجب عليك ان تسرع الخطي نوح المشروع لتركبه ولا نالك من السائق نظره ناريه او كلمه ساخرة, وبالتأكيد سوف ينالك منه مثل هذا في اوقات الزحام حين تكون مضطر الي ان تركب هذا المشروع وتتمتع بحق العوده, الذي تحدثنا عنه سابقا.

الميزه الاساسيه في المشاريع كوسيله مواصلات انه يصعب-ان لم يكن مستحيل- ان يزداد عدد راكبوها عن العدد المخصص من المقاعد, والسبب بسيط ويرجع الي صغر المكان داخل هذه النوعيه من الموصلات, ولكن كن علي يقين انه لو كان هناك خرم ابره يمكن ان يركب به راكب زياده فلن يتورع السائق عن ان يحشر هذه الراكب الزياده في هذا الخرم بمنتهي البساطه.

بمجرد ان تستقل المشروع, يقع علي عاتقك مسئوليه الاسراع في دفع أجره الركوب, وليس لك ان تتأخر لحظه واحده, والا لاحقك سؤال السائق الفوري والمعتاد بصوت رخيم "حد عنده أجره ورا", وتحديد الاجره المناسبه هي عمليه لا منطيقيه بأي حال من الاحوال, فربما تركب مشروع لتقطع مسافه لا تزيد من كيلو متر واحد وتدفع اجره ضعفين اجره مسافه تزيد خمس مرات عن المسافه الاولي, و ليس لك حق المناقشه, فبمجرد محاوله الاعتراض او حتي الاستفسار عن سبب ارتفاع الاجره رغم صغر المسافه, تجد نفس الصوت الرخيم وقد زودت عليه نغامات اشد رخامه واعلي صوتا تقول "خليها علينا خالص" ويقصد بهذا أحراجك لكي تدفع من سكات!!

ولا تتعجب ان استيقظت باليوم التالي لتجد ان أجره المشروع الذي اعتدت ان تستقله يوما قد تضاعفت, واذا سألت عن سبب هذا, قيل لك ان السبب هو ارتفاع سعر لتر الجاز عشره او عشرين قرش في اللتر, وبحسبه بسيطه تستطيع ان تعرف من المستفيد من الارتفاع, هل هي الحكومه اي صاحب المشروع وسائقه!

قليلا ما تجد سائق مشروع يمتلك المشروع الذي يعمل عليه, بنسبه 99% سوف تجده يعمل سائق عن صاحب المشروع الاساسي, ولست اعرف ما هو السبب المباشر في هذا!

أحذر عفاريت الاسفلت, ولم يأتي هذا المسمي من فراغ لينطبق علي سائقي المشاريع, ولكن لو القيت نظره سريعه تحت مقعد اي سائق من سائقي المشاريع فسوف تلحظ قاعده عامه تحكم ما يستقر اسفل الكرسي, فبجوار قطعه القماش التي قد يستخدمها في تنظيف الزجاج, يجب ويجب ويجب ان تجد عصاه غليظه, او كما تدعي هنا "شومه" تستقر في امان اسفل مقعد السائق, وهي من الادوات المهمه جدا لنجاح مهمه سائق المشروع علي الطريق الاسفلتي, فبمجرد وقوع اي خلاف ولو بسيط بين اي مواطن وسائق مشروع او حتي بين سائق مشروع ذو خبره واخر قليل الخبرة في هذا المجال, سوف تجد طرق فض هذا الخلاف تتلخص في الأتي: اولا يرتفع صوت سائق المشروع, وكلما كان قديم في مهنته كسائق مشروع محترف كلما كان معامل ارتفاع صوته اعلي واعلي, ثانيا حين يجد سائق المشروع انه قد وصل بصوته من العلو الي الدرجه التي لم تردع خصمه محل الخلاف فيلجأ الي فتح باب المشروع وهنا تبدأ مرحله جديده من الخلاف ويتحول الي تحدي, ثالثا اذا اصر خصم سائق المشروع علي موقفه ولم يردعه حركه فتح الباب الاخيرة والتي تحتوي من المعاني والرسائل الصريحه العشرات فينتقل الي مرحله جديده وهي مرحله الصراع, وفيها يقوم بعمليه هجوميه خاطفه علي خصمه ثم يرتد سريعا, رابعا علي اثر الارتداد الاخير لسائق المشروع يكون قد تذكر الاداه السحريه في فض النزاعات وهي تلك الاداه التي تستقر اسفل مقعد القياده في سيارته, وحين تشهر هذه الاداه فهي كفليه بانهاء مرحله الصراع والانتقال الي مرحله الضحايا ثم الاسعاف.

سائق المشروع له الحق في التدخين طوال الطريق دون ان يناقشه احد, وان حدث وناقشه احد او اعترض فسوف يلجأ سائق المشروع الي الخطوات من واحد الي اربعه السالف ذكرها لتعامل مع حاله التمرد الحادثه داخل سيارته.

كمل له الحق في ان يرفع صوت الكاسيت الي درجات لا تطاق, وسوف تلاحظ ان سائقي المشاريع دون غيرهم ينفردون بسماع نوعيه ما من الأغاني التي يختلط فيها صوت المغني بمجموعه من الاصوات العجيبه المرتفعه والتي تمتزج بصوت المغني, فتشعر انك تستمع الي تسجيل صوتي من احدي ميادين المعارك العسكريه, وقد تم التسجيل بجوار مدفع عيار 108 مم مصوب الي أذنيك طوال الطريق.

عبارة "احذر من سائقي المشاريع" لا توجه فقط الي ركاب المشروع, ولكن هي تعني بالاساس كل ما يتعامل معه سواء كان من الركاب او من سائقي السيارات الاخري التي تسير علي نفس الطريق, فلسائق المشروع الحق المكتسب في ان يغير اتجاه سيره مباشرتا ودون اي تحذير متجاهلا كون هناك سيارات اخري تشاركه نفس الطريق وتسير بنفس سرعته, كمل له الحق المكتسب في ان يختبر اقصي سرعه تستطيع سيارته ان تبلغها ان سنحت له الفرصه في هذا, غير مبالي بوجود ركاب داخل سيارتك التي توشك علي الطيران بهذه السرعه الجنونيه, وله الحق ايضا في ان يتوقف فجأه في منتصف الطريق ليقوم بألتقاط راكب او حتي انزال اخر دون اي تحذير.

من المواقف التي تتكرر كثيرا مع راكبي هذه النوعيه من المواصلات-المشاريع- ان تجد سائق مشروع اخر علي الطريق المعاكس يشير الي سائق المشروع الذي تركبه بأشاره ما, وعلي الفور يحدث امر من اثنين, اما يهرع سائق المشروع الي وضع حزام الامان امام صدره دون ربطه, لان الاشاره التي تلقاها كانت تعني ان هناك "لجنه تفتيش" علي الطريق, وتلك اللجنه سوف تحرر له مخالفه اذا لم تجده يستعمل حزام الامان, واما يوقف المشروع فورا ويعرض علي الركاب أخذ الاجره لانه لا يملك تراخيص للسياره او حتي تراخيص للقياده!

ولكن الاطرف هو ان يصر هذا السائق الذي لا يملك تراخيص علي اجتياز هذه اللجنه التفتيشيه مهما كانت الصعوبات, وهو في سبيله الي أجتياز اللجنه سوف يدخل الي مجموعه من الشوارع الجانبيه, والطرق الوعره, وربما يصعد بالسيارة والركاب جبل المقطم او حتي يغطس بها في البحر او يعوم بها في النيل, وقد يمضي نصف ساعه كامله في ايجاد طريق بديل مهما كان وعر او غير صالح لسير السيارات ولكنه في النهايه سوف يتخطي خط برليف دون تراخيص ويثبت انه ابرع سائق قاد مشروع علي ارض مصر.

والي حلقه قادمه من سلسله

تحت عجل مصر