كالمعتاد أنتظرت الحافله لقليل من الوقت, وجاءت كما كنت اتوقعها مزدحمة, وحمدت الله انها ليست شديد الازدحام كما صورها لي خيالي اثناء أنتظاري, بناء علي خبره دامت لأربع سنوات ومازالت تحدث للسنه الخامسه علي التوالي في التعامل مع الحافلات المصرية .
ومصطلح حافله يرادفه في العاميه المصريه لفظ "أتوبيس" وجمعها "أبوبيسات" وهو جمع مصري سالم
حين تركب الاتوبيس المصري - ان كنت من المحظوظين يوما ما ودعت عليك والدتك فبالتأكيد سوف تركبه- اول ما تلاحظ انه اسم علي مسمي ... فكلمه "اتو" والتي تعني بالانجليزيه "شيء ما يعمل بشكل اتوماتيكي" تدل علي ان هذا الاتوبيس سوف يستمر في تحميل ركاب طوال طريقه دون توقف للحظه واحده او حتي التفكير في القاء نظره علي عدد من يركبه من مواطنين ... وكأن هذا الاتوبيس لأ نهائي في الاتساع ... لا نهائي في العدد الاقصي لمن يمكن ان يركبه...
ولان مصر دائما بلد الافتكاسات... فسوف تجد حاليا في مصر انواع متعدده من الاتوبيسات ... واختلاف الانواع وتعددها ليس اختلاف في اللون ودرجه اسوداد دخان شكمان الاتوبيس الواحد ... ولكن أختلاف في سعر التذكرة والتي تبدأ من واحد جنيه مصري كامل وتستمر حتي ثلاث جنيهات كامله.
العجيب في أمر تلك التذاكر انه من وضع نظام قطعها حسب المسافه هو بالتأكيد معاق ذهنيا, فأنت اذا ركبت الاتوبيس لتصل الي عملك في منتصف الخط سوف تقطع نفس التذكره التي يقطعها جارك الذي يقع عمله في نهايه الخط ... والاعجب ان جاركما الذي سوف يقطع محطه واحده بنفس الاتوبيس سوف يقطع نفس التذكرة وبنفس القيمه التي قطعتها انت وجارك الاول ... الجميع سواسيه امام الكمسري ... وحيت يصدر منك اول بادره للاعتراض حين تعلم ان قيمه التذكره لمحطه واحده هي نفسها قيمه التذكره كامله لقطع مسافه كل المحطات, يبادرك الكمسري(قاطع التذاكر) بعبارة : تذكرة موحده...!
منذ ما يقرب من ثلاث سنوات ظهرت فئه جديده من خدمات المواصلات علي ارض مصر...كانت تدعي "الاتوبيس المميز" ثم تبعها فئه اخري وتدعي "الاتوبيس المكيف" وبالطبع ما سوف يخطر ببالك هو انك امام طفره في وسائل المواصلات المصريه... فبعد ان اعتادت الجماهير المصرية علي الاتوبيس المصري العتيق ذو الابواب المفتوحه دائما والتي يتشبس بها المواطنين لعلهم يجدون مكان وسط الزحام ولو بعد حين, ظهرت فجأه هذه الفئه من من الاتوبسات ... ولأول مره علي ارض مصر اصبح يقفل عليك باب الاوتوبيس وانت داخله ... واصبح هناك اتوبيسات مكيفه ومعزوله صوتيا و حراريا عن ظروف شوارع مصر الفظيعه, ولكن نظير هذه الخدمه كان يجب علي الجماهير التي تتمتع بتلك الخدمه ان تدفع ثمنها ... ولاقت الخدمه الجديده استحسانا... ولكن كان هناك نوع من القلق يشوب من يتعامل مع هذه الخدمه الجديدة...فالمواطن المصري لم يعتاد ليوم ان يحمل اتوبيس النقل العام العدد المقنن له من الركاب فقط ... ولأول مره تجد قانون منع التدخين يطبق داخل هذا الاتوبيس ... الجميع لم يستطيعوا تصديق ان هذا ممكن ... البعض قال "والله كويس ومش مشكله ارتفاع قيمه التذكرة طالمه الخدمه نضيفه ... وطالما مش حنتعذب واحنا بنركب".... والبعض الاخر قال " كلها شهر شهرين بالكتير اوي واتفرج علي الخدمه الجديدة حتبقي ازاي ... وابقي أبلني"
ومر الوقت سريعا ... ومضي شهر ثم الشهر الذي يليه... وحدث ما توقعه الفريق الثاني...نسخه من اتوبيس النقل العام تتكرر ... ما كان ممنوعا من قبل اصبح مباح الان ... هل كان ممنوع تواجد ركاب وقوف فيما سبق؟... الان اصبح الطبيعي ان تجد هذا الحال جليا ... هل كان ممنوع التدخين فيما سبق؟ ... الان السائق هو اول من يدخن طول خط سير الاتوبيس ... هل كنت مسرور بأنعزال الاتوبيس حراريا وصوتيا ووجود تكيف؟ ... الان تلعن هذا اللانعزال حين تجد شكمان الاتوبيس ينفث دخانه الي داخل الاتوبيس وليس الي الشارع, وحين تجد التكيف قد علي صوته واصبح بلا فائده, وحين تجد مياه تتساقط من سقف الاتوبيس محمله بالاتربه ومصدرها التكييف...!
وتحولت الخدمه الجديدة المميزه والمكيفه الي نسخه طبق الاصل من الخدمه القديمه وهي خدمه اتوبسات مصر للموت الجماعي ... ولعل الخدمه القديمه كانت افضل حيث كان الاتوبيس اساسا مصمم لكي يستوعب عدد معقول من الركاب الوقوف ... ولكن الخدمه الجددة ليست كذلك , فالاتوبسات الجديده- المميزه والمكيفه- لم تصمم لكي تسمح بأستعاب ركاب وقوف ... وحين يتم حشر الاتوبيس بعدد غير معقول من الركاب يتحول الي جحيم... واقل ما يوصف انه علبه سردين... فوصف علبه سردين هذا انما هو ظلم لعلبه السردين .... فعلبه السردين صممت لكي تحتوي السردين داخلها وتحفظه ولا يتم حشرها ... ولكن الاتوبسات الجديدة لا تحوي اماكن اضافيه للسردين الاضافي المضاف اليها ... ولك ان تتخيل الوضع المأساوي للسردين داخل الاتوبيس ... اقصد المواطنين داخل الاتوبيس ...!
اعجب ما سوف تصادفه اذا ركبت هذه الفئه الجديدة من الاتوبسات هو وجود فرد او اثنين علي الاقل حديثي العهد بقواعد ونظم الركوب في هذه الاتوبسات بالذات ... فاولي هذه القواعد"انك تحط حزمه في بقك ومتتكلمش ولا تعترض علي ما يفعله السائق او الكمسري" ... فاذا اوقف السائق الاتوبيس فجأه وهبط منه الي اقرب مخبز ليحضر الخبز لاهله واولاده, فهذا حق مكتسب له, وليس لكي اي حق ان تعترض او حتي تبدي تضايق, وان أخطاءت وابديت عدم الرضي من خلال تعبير او حتي اشاره, فسوف تجد في لمح النظر من يوسعك كلاما من نوعيه "سيبه يجيب عيش ... هتلنا معاك يا يسطه" ..." ايه!!!! بلاش يجب عيش".... " لو كنت مكانه كنت حتعمل زيه".... وتنهال عليك كل هذه العبارات من الركاب انفسهم وكأنهم ليس وراءهم اي اعمال سوف يتأخرون عنها ... وكأن توقف الاتوبيس لا يعنيهم في شيء.... كله الا لقمه العيش ...!
ثاني هذه القواعد هي نفس القاعده السابقه ولكن يختلف موقف تطبيقها عن الاولي ... فحين يصل معامل حشر المواطنين داخل الاتوبيس الي درجه لا تطاق ... ويتحول تلاحم المواطنين داخل الاتوبيس الي كتله واحده صلبه وغير قابله للفصل ... قد يتجرأ احد الجالسين داخل الاتوبيس او حتي احد المعصورين في مرر الاتوبيس ويبدي ضيقه او حتي اسفه علي كثره توقف الاتوبيس من قبل السائق لتحميل مزيد من الركاب ... وعندها يتدخل الكمسري بشكل مباشر قائلا ..." مانت لو كنت واقف في الشارع دلوقتي مكنتش قلت كدا ".... ويعلق احد المواطنين الافاضل قائلا "مأنت ركبت وهو متنيل مكبوس ...الناس عايز تروح اشغلها".... اما اذا كان الفرد الذي ابدي تضايقه من الاشخاص الجاليسين وليس المعصورين في المرر ... فهنا يحدث ما قد تحذفه الرقابه من هذا المقال ... ولك انت ان تتخيل الموقف.
حين صمم هذا الاتوبيس من قبل المهندسين في بلد المنشأ ... لم يخطر علي بالهم ولو للحظه ان اتوبيس يسع 52 راكب قد يحمل بركاب يصل عددهم الي 152 راكب ... اي ثلاث اضعاف اي معامل امان قد وضع في الحساب من قبل المصممين ....ولأنك في مصر -وربنا ديما بيسترها مع المصريين الغلابه- فقليلا ما تجد اتوبيس ينفجر من شده ازدحامه ... فقط كل ما قد يحدث ان تجد العديد من هذة الاتوبيسات معطله علي جانبي الطريق كل يوم وانت ذاهب الي عملك او الي كليتك ... ومع هذه الصوره التي تتكرر كل يوم بشكل دوري وتلقائيه هائله ... تجد نفسك من داخلك تدعو الله ان لا يكون الدور علي الاتوبيس الذي تستقله لكي يكون له موقف علي جانب الطريق ... ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه...فلابد ان ياتي الدور علي الاتوبيس الذي تركبه لكي يتعطل وتهبط منه لكي تنحشر في اقرب اتوبيس من نفس النوع يمر عليك ... ولكن هذه ليست المشكله ... ولكن المشكله الاساسيه التي تتكرر كل يوم ويشكي منها المواطنين هو انخفاض سرعه الاتوبيس بشكل هائل .... الجميع يلقون اللوم علي السائق, بأنه هو الذي يتبختر في الطريق ولا يريد ان يزيد من السرعه ... ويكون جواب السائق عليهم ان يوقف الاتوبيس في منتصف الشارع كنوع من انواع الغضب علي من يعترض ويقول " انا ليا معاد اوصل فيه ... ومحدش ليه دعوه المعاد ده امتي"... ويبدي استعداد الي الاشتباك بالايدي مع كل من يريد ان يعترض... وبالتأكيد هو بأيقافه الاتوبيس يضغط علي كل من يهمه ان يصل الي عمله في موعده ان يتدخل ليفض الخلاف ويسكت كل من يتجرأ علي مجرد الامتعاض علي سرعه الاتوبيس السلحفاتيه...!
أجمل ما سوف تصادف في مثل هذه الانواع من الاتوبيسات المصريه... انك قد تجد مجموعه كبيره من زملاءك واصحابك واصدقاءك الذي لم تقابلهم منذ زمن طويل او الذين تركتهم بالامس في الكليه او العمل, سوف تجد كلا من هؤلاء معك في نفس الاتوبيس... ويالها من صدفه سعيده... وقد تري احد زملاءك في مقدمه الاتوبيس وانت في مؤخرته ولا تتمكن من الوصول اليه مش شده ازدحام الاتوبيس فتفضل ان تشير اليه, وهذا اذا كان مجال الرؤيه متاحا وليس مكدس بالايدي والرؤوس التي تعيق حتي التنفس...!
ولكن هذا ايضا له عيوبه ... فبمجرد ان يلتقي صديقين داخل الاتوبيس حتي يتحول الاتوبيس كله الي ساحه حوار بين هذان الصديقين... يبدأ بالتحيه والسؤال عن الحال بصوت عالي ... ويستمر في سرد الحكايات والنكت والنوادر والضحك عليها بشكل فظ وبصوت اعلي ... نهايه بالحديث عن بنت الجيران اللي طلعت بتزوغ من المدرسه وغرميات كلا منهما ... ويتبارا كلا من الصديقين في التحدث بصوت مسموع , وكأنه الاتوبيس تحول الي جزء من اذاعه الشرق الاوسط.
تحدث الكارثه حين تجد شله من الشباب يستقلون هذا الاتوبيس ... وتكون هذه الكارثه مزريه حين تختار هذه الشيله مؤخره الاتوبيس لكي تستقر فيه ... وهنا يعلو صوت الضحكات والنكت... ويتبارا الجميع في اسماع كل ركاب الاتوبيس عن نوادرهم ومواقفهم المضحكه وربما اراءهم النيره في مشاكل الشباب وحتي مشاكل كبار السن الذي لا يجدون من يرعاهم ....!
الاسوء من هذا كله حين تكون هذه الشله من البنات ... وهنا يكون الحل الوحيد ان تقفز من الاتوبيس وترتاح ... فالمعلوم ان صوت البنات اكثر علوا واكثر قدره علي اختراق اذنيك... اما عن الضحكات وفي بعض الاوقات الصرخات الدعابيه بين البنات قد تجعلك تتقئ داخل الاتوبيس من الاسمئزار ... وبالـتأكيد بعد هذه التجربه المريره سوف تتغير نظرتك تماما للجنس الناعم بشكل عام خصوصا من يركبن الاتوبيس ...!
وقد يكون حظك العاثر قد اوقعك مع نوعيه من السائقين من محبي الاغاني العجيبه ... ولان الاتوبيس ليس به امكانه تشغيل سماعه دون تشغيل بقيه السمعات, وبناء علي رغبه السائق في ان يستمع الي تلك الاغنيه وبصوت معقول حتي لا ينام في السكه ويعمل حدثه, فيجب علي كل المواطنين وكل من يتواجد في الاتوبيس الاصغاء الي تلك الاغنيه علي تردد مناسب لتردد دماغ السائق...!
داخل الاتوبيس يجب ان تكون انسان اخر ... انسان لماح ذكي مرن ذو بصيره وسرعه استجابه عاليه ... فانت تحتاح ان تكون لماح وذو سرعه استجابه عاليه حتي تلمح افضل مكان في الاتوبيس يمكن ان تستقر فيه او ان تلمح رغبه احد الجالسين في القيام والنزول ... وهنا تأتي سرعه الاستجابه حين تتحرك في لمح البصر لتقترب من المكان المختار ... او ان تقف بجوار من ينوي القيام لتجلس مكان ... ولكن لاحظ ان هناك داخل الاتوبيس من هم اكثر منك براعه وسرعه استجابه ... وهنا يكمن التحدي الحقيقي ...!
اما عن المرونه فانت تحتاجها في كل مره يقرر احد الركاب النزول من الاتوبيس ... فهو او هي بالتأكيد سوف يمر بجوارك او خلفك او من امامك او حتي من تحت ابطك ... ويجب ان تتمتع انت بتلك المرونه حتي تنحني او تتمدد او حتي تتلاشي لكي تفسح الطريق لهذا المواطن الذي قرر النزول ولن يمنعه اي شيء مهما كان او يحول بينه وبين قراره, حتي لو كان هذا الشيء هو انت ... فبالتأكيد سوف يجرفك او يحملك في طريقه ... وفي النهايه تجد نفسك تقف في الشارع في منتصف طريقك الي العمل او الي الكليه وتنظر الي الاتوبيس وهو يبتعد... ودخانه الاسود المميز ينبعث من مؤخرته ....!
حين تقرر ان تغادر الاتوبيس او ان تنزل في المحطه التي انتظرتها طول الطريق... فيجب ان تأخذ بعين الاعتبار ان قطع المسافه من المكان الذي تجلس فيه داخل الاتوبيس او المكان الذي تقف فيه الي باب الاتوبيس, ان قطع هذه المسافه هو من الاعمال الشاقه بمكان والتي تتطلب وقت يصعب التنبأ به... فهناك عشرات العوامل التي تحكم تحديد هذا الزمن ... منها علي سبيل المثال لا الحصر : "كم شخص يقف بالعرض في طريقك الي الباب" ..." كم امرأه سمينه في طريقك الي الباب" ..." كم امراءه سمينه في طريقك لن تتحرك وسوف تطالبك بالمرور بأي شكل" .... " كم طفل صغير يحمل شنطه علي ظهره, ويصر علي التحرك بها داخل الاتوبيس وهي مازالت علي ظهره".... الخ الخ.... فانت في سبيلك الي باب الاتوبيس يجب ان تأخذ بعين الاعتبار مجموعه كبيره من هذه المعاملات حتي تهبط من الاتوبيس في المحطه التي تريديها ... وليس نهايه الخط.
والي اللقاء مع حلقه اخري من يوميات "تحت عجل مصر"
