وقفت أتامل الجدران البلوريه التي تشع بأضاءه هادئه تأخذ القلوب لتلك القاعه العملاقه التي احتشد فيها الاف المخلوقات من جميع أرجاء الكون, حيث وقفت انا في مكان مخصص لتوجيه الاتهامات, كان مكان مستطيل الشكل يحيط به سياج منخفض الارتفاع من ثلاث جهات لا يتعدي ارتفاعه المتر الواحد, وقضبانه مصنوعه من معدن عجيب لونه ابيض يخرج منه نور صافي لا يضر العين وان أطلت التأمل فيه. كنت أقف في داخل هذا السياج مرتديا عباءه بيضاء ناصعه البياض قد امتدت من مؤخر رأسي وانسدلت علي ظهري في نعومه عجيبه حتي داعبت الارض وكأنها تخشي ان تلامسها, لم أكن ارتدي حذاء ولكني لم اكن اشعر بوجود الارض اسفل قدمي, كنت اشعر وكأني معلق علي ارتفاع سنتميترات قليله من الارض سابحا في الهواء.
وبجواري داخل السياج وقفت حبيبتي, نورها كان يغشي الابصار, كانت ترتدي عباءه اشده بياضا من عبائتي وقد أمتدت من منابت شعرها فغطت كل شعرها الي اخمص قدميها وانسدلت علي الارض في رقه ونعومه مدهشه لمسافه متوسطه خلفها, ومن اسفل غطاء رأس حبيبتي برزت خصله من شعرها وتدلت علي خدها الابيض الرقيق وقد اشتد سوادها ولمعانها وكأنها شمس تشرق علي خد حبيبتي. كانت تقف –حبيبتي- وعلي وجهها ارتسمت بسمه أمل كبيرة اوحت لي بجمال الحياه, وقد ارتدت قلاده فضيه تزين صدرها وقد انعكس منها أضواء براقه وكأنها نظمت من نجوم السماء في ليله شديدة السواد مليئه بالنجوم البراقه, وفي مؤخرة القلاده يسكن جسم احمر قاني شديد الحمره يأخذ شكل القلب البشري, وقد كتب عليه بحروف من نور اسم مكون من اربع حروف "هاني".
لم تكن هذه هي القلاده الوحيده الموجوده في تلك القاعه, فقد كنت امتلك القلاده الثانيه والاخيرة في هذا الكون, كنت ارتديها وأتباها بها وهي تتدلي علي صدري وقد سكن في مؤخرتها قلب اصغر من قلب قلاده حبيبتي ولكنه يتميز بشده وضوح ما نقش عليه بحروف من نور, حيث نقش عليه كلمه من اربع حروف "ناهي".
كانت القاعه اشبه ما تكون بقاعه محكمه ولكن اتساعها الشاسع واحتواءها علي كل هذا الحشد من المخلوقات بالاضافه الي تلك الاضواء الساحره واللون الابيض الذي رسم كل شيء داخل تلك القاعه كان يأخذ القلوب, ويجعلك تنسي الموقف برمته لتقف تتأمل هذا المكان العجيب.
أستدرت جانبا لألقي نظرة علي هذا الملاك الذي يقف بجانب السياج الابيض الذي احاطني انا وحبيبتي, كان ملاك تبرز عليه علامات القوه وهو يقف عاقدا ساعديه امام صدره ناشرا اجنحته خلف ظهره, والذي يصعب وصف ملامح وجهه. ثم درت حول نفسي دوره كامله لألقي نظره شامله علي جميع الحضور, كان هناك كائنات من كل ركن في الكون قد حضرت هذه الجلسه من المحكمه, كائنات عجيبه لم يكن يخطر علي بالي يوم ان هذا الكون يتواجد به كل هذة الانواع من المخلوقات –سبحانك ربي- كان الجميع يجلس في صمت وينظرون حيث اقف مع حبيبتي, ميزت وسط الحضور بعض المخلوقات الارضيه والتي اعتدت علي رؤيتها ولمحت في نظراتها الي نظرات شفقه, علي عكس بعض المخلوقات الاخري والتي لم تكن تنظر بنظرات تسر ابدأ, شعرت وقتها بقلبي ينقبض وبخوف شديد علي حبيبتي رغم انها تقف بجواري, فمدت يدي برفق وداعبت يدها بحنان, وتناولت كفيها واحتضنتهما وسط كفي لعلي ابث بعض الأمان في روح حبيبتي, فضحكت لي في دلال, وسحبت كفيها من بين حضن يدي, وتناولت القلب المعلق في قلادتي الفضيه, ونظرت اليه بهدوء تتأمله ثم نظرت الي عيني مباشرتا وقد ازداد بريق ضحكتها اشراقا وتحركت شفتيها الورديتين لتقول كلمه ما... وتراجعت علي اثر صوت جهوري ارتفع في القاعه يقول "محكمه".
دخل الي قاعه المحكمه ملاك اخر يحمل مجموعه من السجلات, علي الفور عرفته انه الملاك حاجب المحكمه, وما أن نطق بكلمه "محكمه" بصوته الذي اسكت الجميع وجذب أنتباه الكل حتي دلف الي منصه المحكمه ملاك كبير السن يبدو عليه الوقار والهيبه وأتخذ منتصف منصه المحكمه وجلس بهدوء وفي وقار شديد, ثم دلف بعده ملكين اقل هيبه ووقارا وجلسا علي جانبيه, ورفع الملك القاضي ذو الوقار والهيبه صوته وهو يقول آمرا حاجب المحكمه " نادي علي قضيه اليوم"
أعتدل الحاجب في جلسته ورفع صوته مناديا " قضيه واسمعت الوجود, القضية الاولي من نوعها في الوجود"
نظر القاضي الي الحاضرين نظره سريعه ثم ألتفت الي الحاجب أمرا " نادي علي المتهمين"
ارتفع صوت الحاجب مره اخري قائلا " المتهم الرئيسي هاني أبن جلال ابن صلاح من كوكب الارض, تحديدا قاره افريقيا ضمن دوله متوسطه تدعي مصر" ثم استطردت مناديا " شريكه المتهم والسبب الرئيسي في جريمته ناهـــــــ......."
صرخت باعلي صوتي مقاطعا الحاجب " لأ ... ليس من حق الحاجب ان يوجه التهم الي حبيبتي" ومدت يدي برفق وجذبت حبيبتي بحنان الي الخلف قليلا, وتقدمت امامها وصرخت ثانيا " حبيبتي ليس مكانها هنا... حبيبتي مكانها هناك وسط الشهود... هي ليس متهمه هي ....." سكت علي اثر صوت مطرقه القاضي وهو يقول " سكوت ... انا لم اسمح لك بالكلام بعد ... سوف يسمح لك بالكلام بعد ان يتكلم الادعاء " ثم التفقت القاضي الي الحاجب قائلا " اذكر حيثيات القضيه"
ارتفع صوت الحجب مره اخري وهو يقول " أنفجار وجداني مشاعري في كوكب الارض اتهم فيه المدعو هاني جلال تسبب في صدور موجه عاتيه من المشاعر الخالصه اجتاحت الكون وتسببت في دمار وخراب بعض العوالم الرقيقه كما تسببت في أتلاف والحاق خسائر بالعوالم الغير مرئيه, كما كان من أثارها ازعاج كل الكائنات التي تسكن هذا الكون"
اعتدل القاضي في جلسته ورمقني بنظره سريعه ثم مال علي احد مستشاريه وحدثه حديثا قصيرا ثم اعتدل مره اخري في مجلسه قائلا " نادي علي الشهود"
عادي صوت الحاجب ليرتفع ثانيتا قائلا " الشهاد الاول ... كليه الهندسه جامعه الاسكندريه, الشاهد الثاني الزمن منذ اول لقاء لهاني وناهي حتي يوم 7-7-2007 يوم الحدث بتاريخ الارض, وجميع الشهود حاضرين الجلسه يا فندم"
ألقي القاضي نظره علي الشهود ثم استدار تجاه منصه الادعاء الخاليه وسأل " وأين الادعاء ؟"
رد الحاجب ونظره معلق بالقاضي " هناك مشكله يا فندم, فطلبات الادعاء بالملايين والجميع يريد ان يتكلم ليدين المتهمين"
مال القاضي علي مستشاريه ثانيتا وشاورهم لقليل من الوقت ثم عاد قائلا " تشكل لجنه عليا للأدعاء تتكون من ثلاث افراد وتتولي توجيه الاتهامات" ثم نظر الي منصه الدفاع وعاد ليسأل " وأين لجنه الدفاع !!؟ "
جاء رد الحاجب سريعا " نفس المشكله يا فندم, كل من له قلب ينبض بالحب او يعرف معني المشاعر في هذا الكون قد طلب الدفاع عن المتهمين"
نظرت الي القاضي ورفعت يدي مطالبا بالأذن بالكلام فأشار الي ان هات مع عندك فقلت " لو يسمح لي سياده القاضي ... انا لا اريد لجنه دفاع ... انا سوف اتولي الدفاع عن حبيبتي وعن نفسي ... ولكن لي طلب لو تسمح لي سيادتك به ...!" اشار القاضي الي ان اكمل كلامي فقلت " اريد اذن من سيادتكم ان تسمحوا لحبيبتي ان تضع يدها علي قلبي اثناء دفاعي "
انعقد حاجبي القاضي بشده وبدت عليه علامات الدهشه والاستعجاب وهو يتلقي طلبي هذا, وتلفت علي جانبيه وهو يشارك مستشاريه نفس نظره الدهشه والاستعجاب, ثم وجه كلامه الي متسائلا " هل للمحكمه ان تعرف السر من وراء هذا الطلب"
ارتسمت علي شفتي ابتسامه رقيقه واستدرت مواجها حبيبتي التي التفتت الي وعلي وجهها نظرة اعرفها جيدا, ثم قلت " يا سياده القاضي هي فرصه لن تتكرر ابدأ, لكي تلمس حبيبتي قلبي وتتعرف علي ما بداخله من مشاعر هائله تجاهها "
هنا هب احد اعضاء لجنه الادعاء صارخا " ارجو من المحكمه تسجيل هذا الاعتراف المباشر من المتهم, وأطالب بتشديد الرقابه علي قلب المتهم لتصريحه بحتواء قلبه علي مشاعر هائله قد تضر بالحاضرين اذا هي خرجت الان من قلبه"
ضجت قاعه المحكمه بهمهمات جميع الحاضرين الخائفه علي اثر كلمه عضو لجنه الادعاء ولم تسكن ثانيا الا علي صوت طرقات مطرقه القاضي الذي ملك زمام الحديث ثانيتا وقال " ليهدئ الجميع لن يحدث ما تخافون منه, فقد قام فريق مختص بمعالجه مشاكل المشاعر بنزع قلب كل من المتهم وحبيبته وتعليقه في قلاده علي صدر كلا مهما تحسبا لأ تسرب مشاعري من قلب كلا منهما, وان حدث تسرب فسوف يحتوي كل طرف منهما مشاعر الاخر بشكل مباشر ولن يتأذي احد"
التفت القاضي الي لجنه الادعاء وقال " الادعاء يتفضل "
قام احد اعضاء لجنه الادعاء وقد كان كائن عجيب لم أره من قبل يصعب وصفه ولا ينطبق عليه اي وصف سوي انه كائن هلامي عديم الملامح, نظر الي والي محبوبتي نظره شديدة, شعرت علي اثرها بأهتزار قلب محبوبتي علي صدري, فسرعت يدي برفق الي القلب تضمه في راحتي يدي وتهدي من روعه, وهذا الكائن الهلامي يقول " يا ساده اننا امام جريمه كامله, جريمه مع سبق الاصرار والترصد, علي مدي ما يقرب من خمس سنوات كامله من سنوات كوكب الارض, وهذا المتهم يقوم بتجميع مشاعره في قلبه لكي يفجرها في موعد محدد محدثا هذا الدمـــار الهائل و ...."
قاطعته وانا اقول بصوت مرتفع وبلهجه تحدي " اربع سنوات فقط يا هذا "
التفقت القاضي الي محذرا بأشاره من يدي ثم اشار الي الادعاء ان أكمل, فأكمل الادعاء قائلا " تقاريرنا وتحرياتنا تؤكد ان ما انفجر من مشاعر في يوم سبعه من شهر سبعه يعود تاريخها الي خمس سنوات قبل هذا التاريخ, بل ان احد المشاعر التي اجتاحت عالمي وخربت وقتلت من اهلي كان تاريخ مولدها وتكونها في قلب المتهم يعود الي اللحظه الاولي التي تعرف فيها علي حبيبته, وكانت تلك المشاعر هي الاعنف علي الاطلاق, واذا سمحت لي هيئه المحكمه فمعنا شهود هنا من موقع الحدث يؤكدون ما اقول"
التفت القاضي الي الحاجب أمرا " نادي علي الشاهد الاول"
الحاجب بصوت عالي " الزمن منذ اول لقاء بين الحبيبين وحتي تاريخ 7-7-2007 "
قام شيخ كبير في السن من وسط الحضور وتقدم ببطئ وفي وقار الي منصه الشهود وجميع الانظار معلقه به, وحبيبتي قد بدي علي وجهها علامات القلق وهي تنظر اليه, فحاولت ان اهدئ من روعها وان أطمئنها لان الزمن شاهد لنا وليس علينا ولكني فشلت, فالتفت معها ننصت الي حديث الزمن وهو يدلوا بشهادته.
نظر القاضي الي الزمن نظره اجلال واحترام وقال " نحن نأسف يا شيخنا علي طلب استدعاءك الي هيئه المحكمه علي وجه السرعه وكان اولي ان ترسل مندوب عنك يحمل الفتره الزمنيه المطلوبه فقط "
خرج صوت الزمن مهيب فهزر قلوب الجميع قائلا " لا داعي للاعتزار, هذه القضيه تستحق ان احضر بنفسي, فأحداثها ليست كما يخيل لهيئه المحكمه والادعاء وحتي للمتهم نفسه وحبيبته انها قد بدأت قبل ما حدث في 7-7-2007 من تاريخ الارض بحوالي خمس سنوات كما قد ذهب الي هذا الادعاء, القضيه لها جذور اعمق من هذا, القضيه يعود تاريخها الي بدايه الخلق حين خلق الله كل ذريه بني ادم وجمعهم في صعيد واحد فتعرفت الارواح علي بعضها البعض فما تقارب منها أتلف وما تنافر منها اختلف, وكان للقلبين محل اتهام المحكمه الان نصيب وافر من التقارب والتجانس والانسجام فأتلفت ارواح هذان القلبين منذ بدايه الخلق, ومن شده تجانسهما كان متوقع من احدهما – وهو قلب المتهم- ان يتعرف علي حبيبته في اول لحظه يراها فيها, وان يجمعهما القدر علي اولي درجات سلم حياتهما الناضجه, والان القدر كان موعدهما, فلا يجوز ان نلومهما, فمن من بني ادم يملك ان يوجه قلبه او ان يتحكم في مشاعره, ومن من بني ادم يملك ان يحب فلانه او ان يتحرك قلبه من اجل فلانه ....."
قطع الادعاء حديث الزمن فجاه وقال " ولكن ان يخفي مشاعره لمده خمس سنوات ثم يطلقها في لحظه واحده .... اليست هذه جريمه تتم باراده المتهم مع سبق الاصرار والترصد ..!!! "
نظر القاضي نظره ناريه معاتبا الادعاء علي مقاطعته حديث الشيخ, وعادت ابتسامه الامل علي وجه حبيبتي مما ضاعف من حماسي في ان اتكلم واشارك الزمن في دفاعه, ثم اشار القاضي الي الزمن معتذرا وداعيه الي اكمال شهادته
اكمل الزمن قائلا " قبل ان تتحدث عن الصرار والترصد ... تعالي معي في رحله لتتعرف علي احوال المحبيين, فما من محب يخفي مشاعرة اكثر من سنه او علي اكثر تقدير سنتين, وان اخفاها اكثر من هذا ضمرت واندثرت وهزلت وما عاد لها وجود, وللمحكمه ان تستنتج من كلامي السر في بقاء مشاعر المتهم قويه متينه وظلت تنمو بشكل متسارع علي مدار خمس سنوات وخالفت قوانيين وقواعد الحب علي كوكب الارض ..."
سكت الزمن لبرهه, وجميع الانظار متعلقه به تنتظر جوابه علي سؤاله, حتي حبيبتي تعلق نظرها بالزمن تنتظر منه الاجابه وشعرت بقلبها المعلق علي صدري تتسارع ضرباته بشكل سريع, فملت نحو حبيبتي وهمست في اذنها " حتي اليوم لم تعرفي اجابه هذا السؤال يا حبيبتي " وضحكت ضحكه قصيرة فألتفتت الي وعلي وجهها نظره طفله صغيره تتلهف للقاء والدها بعد طول غياب, وهمست بكلمه خافته لم تصل الي مسامعي مع صوت الزمن وهو يكمل قائلا " هما خليقا لبعض ...... "
ارتفع صوت الهمس علي اثر جواب الزمان الاخير في قاعه المحكمه حتي اسكته القاضي بصوت طرقات مطرقته وهو يسأل الزمان " رجاء التوضيح "
اكمل الزمان بهدوء قائلا " تاريخ هذا المتهم يشهد بانه ليس مخلوق الا من اجل محبوبتته تلك, وتاريخ محبوبته يشهد بهذا ايضا, وتعالوا نستعرض بعض من التاريخ العاطفي لهذا المتهم البرئ: فكل ما صادفه من علاقات عاطفيه في حياته الناضجه سواء داخل الجامعه او خارجها, اقول ان كل ما صادفه من علاقات من تلك النوعيه قد قاومها ولم يتحرك لها قلبه ولو للحظه ... وانا كزمان شاهد علي هذا .... وهذا يؤكد ما ذكرته لعداله المحكمه من ان الامر من الاساس ليس بيد المتهم وانه ليس الا قدره ... فهل يعقل ان نحاكمه علي قدره ..!؟ "
ارتفعت اصوات الهمهمه مره اخري في جوانب قاعه المحكمه واسكتها القاضي للمره العاشره بطرقات مطرقته التي اصبح هي الفيصل بين السكون والضجيج, وانا اختلس نظره سريعه علي قلب حبيبتي المدلي علي صدري وهو يعود لينتظم نبضه وتهدئ نفس حبيبتي فرحا بما قاله الزمان من شهاده, ولمحت حبيبتي هي الاخري تلتقط قلبي المدلي علي صدرها بين راحتي كفيها وبمنتهي الحنان طبعت قبله حانيه عليه واعادته برفق الي مكانه علي صدرها, وأحمر وجهها خجلا حين اكتشفت اني اراقبها واشاحت بوججها عني, وفاتها ان تسمع صوت دقات قلبي التي علت بشكل غير مسبوق.
نهض عضو اخر من اعضاء هيئه الادعاء وتقدم من القاضي مطالبا الاذن بالحديث فأذن له القاضي فقال " اذا كان شيخنا الزمان قد برأ ساحه المتهم من نيه الاصرار والترصد والتي بالتأكيد سوف تخفف العقوبه كثيرا علي المتهم المجرم, ولكن تظل الجريمه قائمه ويظل هناك متهم اراق دماء المئات وتسبب في خراب عشرات العوالم بمشاعرة التي انفجرت بتاريخ 7-7-2007 من تاريخ كوكب الارض حيث انه كان يجب علي المتهم ان يعطي تنبيه او اشارة الي قرب حدوث هذا الانفجار الهائل لمشاعرة, مما تسبب فيما حدث, فلو انه اعطي اشاره كما يفعل جميع المحبين او انه اخرج بعض هذه المشاعر قبل هذا اليوم ثم عاد فاخرج البقيه في هذا اليوم لأستعدت كل هذه المخلوقات المسكينه التي تشردت حين اجتاحت مشاعرة حياتهم ودمرتها في هذا الانفجار الذي لم يشهده الكون من قبل .... انا من موقعي هذا اطالب عداله المحكمه الا تأخذها شفقه مع هذا المتهم المجرم المجرد من الرحمه وان تنزل به اقضي عقوبه في تاريخ الكون كله "
ساد صمت مطبق علي اثر اتهامات عضو هيئه الادعاء الاخيرة, ووجدت نظرات القلق تتزايد في عيني حبيبتي وهي تنظر الي في ارتياع وقد ترقرقت علي خديها دمعه صغيره ما لبثت ان انحدرت بسرعه ولحقتها المزيد من الدموع, فلم تتمالك حبيبتي نفسها وألقت نفسها في حضني وافرغت كل دموعها وقلقها دفعه واحدة, وتلقيتها بين زراعي وفي حضني ضممتها برفق وعلي عباءتها التي تغطي شعرها مررت يدي بحنان لعلي اهدي من روعها, وارتفع صوت بكاءها, ووجدت قلبي يصرخ "لا يا حبيبتي لا تجزعي وانا بجوارك" والتفتت الينا كل انظار الحضور واشار الي الملاك الحارس الذي يقف بجانب منصه الاتهام ان اتركها وعد الي مكانك, فرفضت وضممت حبيبتي الي بشده, لن يبعدها احد عني مهما كان, فاشتعلت عيني الملاك الحارس غضبا علي عصياني الامر وكشر علي انيابه وبرزت عضلاته المفتوله, وانا مازلت اهدي من روع حبيبتي الصغيرة وقد اشتعلت نفسي تحديا لهذا الملاك الذي تقدم نحوي بثبات وهو ينوي ارغامي علي ان اطيع الامر بالقوه, شعرت بالدماء تجري في عروقي وكل جسدي يستعد لمعركه سوف تودي بحياتي من اجلها, وفي داخلي تردد صوت واحد يقول " لا ان ادعها وهي تحتاجني الان ... لن ادعها حتي ولو كلفني هذا الامر حياتي "
انبعث صوت القاضي وهو يقول " كفي ......."
ثم استطرد وقال " نحن هنا في محكمه ولسنا في ساحه معركه ... اتركوا له حبيبته فقد وعدناه ان تمسك بقلبه اثناء حديثه ودفاعه ... وقد حان وقت دفاعه ... تكلم ودافع عن نفسك"
عاد الملاك الحارس الي مكانه بجوار منصه الاتهام, ولمحت انا في منصه الشهود الزمان يشير الي ويحثني علي الحديث, وصوت بكاء حبيبتي وهي في حضني مازال يقطع قلبي, كنت اريد ان اصب كل اهتمامي علي حبيبتي في هذا الوقت حتي تهدئ ... ولكن لهجه القاضي التي حملت بعض السخريه دفعتني الي ان اتكلم فقلت " ليس كل من في هذه القاعه سوف يفهمون حديثي, فكل من في هذه القاعه هم ممن تضرروا من خروج مشاعري وليس انفجارها كمل يحلوا ان يصفها الجميع هنا, فهي لم تنفجر وانما انسابت في هدوء من داخلي في لحظه بعينيها, لم اكن اعلم حتي حضرت الي هذه المحكمه ان المشاعر يمكن ان تضر اي مخلوق مهما كان حتي وان كان في عالم اخر وصلت اليه مشاعري بطريق الخطأ ... اريد الجميع في هذه القاعه ان يعلموا ان المشاعر والاحاسيس هي من اجمل ما خلق الله –سبحانه وتعالي- في هذا الكون البديع ... اريد جميع المخلوقات التي لا تعرف ما هي المشاعر ولا تشعر بمعني الاحاسيس ان يحاولوا ان يلمسوها ... ثم يخبروني كيف سوف يجدوها ... لن تجدوها مؤذيه ابدأ ... بل سوف تدمنوها ان هي كانت مشاعركم انتم ومن قلوبكم خرجت "
توقفت لبرهه لأتقط نفسي, وحبيبتي قد هدئت نفسها وجفت دموعها ولكنها مازالت في حضني تنعم برعايتي وقد ادركت انها قد وجدت ملجأ جديد سوف تلجأ اليه كلما ازعجها امر ما او اهمها شيء ما.
تابعت كلامي قائلا " انا اريد شهاده كليه الهندسه جامعه الاسكندريه, فهي شاهد بحق علي مشاعري تلك وهي مخلوق وتحتوي علي عشرات المخلوقات, أسالوا تلك الشجره التي جلست في ظلها في يوم 7-7-2007 ذلك اليوم المحبب الي قلبي, أسالوا تلك الشجره التي انعمت علينا بظلها وجلسنا تحتها وفي حضنها انسابت مشاعري ... اسألوها هل تضررت من مشاعري ... هي تحدثكم هي تخبركم ... هي تعرف بحكم تجرب العشاق في ظلها تعرف جيدا معني المشاعر ... أسألوها "
انهيت كلامي ونظرت الي القاضي الذي اشار الي الحاجب قائلا " نادي علي الشاهد الثاني"
رفعت حبيبتي راسها من علي صدري ونظرت الي بعينين تلمعان من الفرحه, وتراجعت الي الخلف خطوه واحده, ثم تقدمت مره اخري ووقفت بجواري ملاصقه لي, فتشابكت اصابع ايدينا واحسست وقتها اننا كيان واحد.
ارتفع صوت الحاجب وهو يقول " الشاهد الثاني من كليه الهندسه جامعه الاسكندرية ... الشجرة المطلوبه للشهاده هي الشجره التي أظلت كرسي الحبيبين في يوم 7-7-2007 بتاريخ كوكب الارض"
قام الي منصه الشهود تلك الشجره صاحبه الظل والتي اظلتنا في يوم خروج حبنا الي الوجود, وتقدمت حثيثا ثم وقفت هناك وقالت " انا الشجره المطلوبه ومستعده للشهاده"
سألها القاضي " صفي لنا ما حدث في ظلك في هذا اليوم"
سكتت الشجره لبرهه ثم تكلمت قائله " في هذا اليوم اقترب مني فتي وفتاه يبدو عليه علامات التناغم والانسجام مع بعضهم البعض, في البدايه ظننت انهما حبيبين منذ زمن, ولكن سرعان ما شعرت بقلب الفتي الذي كان يشع مشاعر فياضه من كثره ما يحمله تجاه الفتاه من مشاعر واحاسيس و...."
قاطعها القاضي قائلا " وماذا عن الفتاه ؟"
اكملت الشجرة قائله " الفتاه كانت تحمل ايضا مجموعه من المشاعر والاحاسيس تجاه الفتي, ولكنها لم تكن مرتبه زمنيا كما هي في قلب الفتي ولا تقارن كما ولا حجما بما يحويه قلب الفتي من مشاعر, كان ما يحتويه قلب الفتي من مشاعر يعتبر حاله فريده من نوعها, لاول مره في حياتي الطويله داخل هذا المكان اجد شخص يحمل كل هذا المشاعر دفعه واحده, ولاول مره ايضا اجد فتي يحمل هذا الكم من المشاعر ويجلس صامتا وامامه حبيبته وهي لا تعرف عن مشاعره شيء, كان الموقف عجيب, توقعت ان اول كلمه سوف تقال من قبل الفتي هي كلمه –بحبك- ثم يندفع في اخراج كل هذه المشاعر ويعبر عنها, ولكني اشفقت عليه وهو يتحدث كأي صديقين ويصر علي اخفاء مشاعرة, نعم اشفقت عليه مما يبذله من مجهود في اخفاء مشاعرة, فحبيبته امامه وهو يكتم كل هذه المشاعر داخله ويبتسم, شعرت انه يتعذب, ولكني وجدت داخله عزيمه علي التكتم اصقلتها خبره خمس سنوات ....."
ضغطت حبيبتي علي يدي برفق علي اثر عباره "خمس سنوات" وهمست في اذني " خمسه مش اربعه كمان"
عدت الي الاستماع الي شهاده الشجره وهي تقول " سري الموقف بهدوء, وان كنت قد لاحظت تردد الفتي في أخراج مشاعره للحظات وبعض الاضطرابات في انفعالاته, ولكنه اخفاها بمنتهي السهوله, ومضي في حديثه اليها, حتي جاءت لحظه وسألت الفتاه سؤال ما وسط حديثها, وهنا اهتز كيان الفتي و ..."
ضغطت برفق علي يد حبيبتي التي تتشابك اصابعها مع اصابعي منذ ان تركت حضني ووقفت بجواري وهمست في اذنها " لا تنكري كنتي تقصدي هذا السؤال وليس سؤال عابر " فبادلتني ضحكه طفوليه وتابعنا حديث الشجرة.
قال الشجرة " للمره الثانيه سيطر هذا الفتي علي مشاعرة واعادها الي مكامنها وعاد طبيعيا وقرر ان يتكلم ولكن بعد تمهيد قصير, واستمر تمهيده لمده نصف ساعه, خلالها ظهر من مشاعر الفتاه الكثير له, مما كان يدفعه الي ان يخرج مشاعرة اليوم وليس غدا, وفي النهايه قرر ان يخرجها كلها, وحين فتح باب قلبه وعبر عن مشاعره وخرجت كل مشاعره واحاسيسه, كاد قلبه هو ان يتوقف من شده خروج تلك الموجه الهائله من المشاعر التي كتمت علي مدي خمس سنوات من هذا التاريخ ومن شده فرحه بمحبوبته"
التقط القاضي دفه الحديث وسأل الشجرة" وماذا حدث لكي حين خرجت هذه المشاعر بهذا الفيض الهائل الذي وصل مداه الي حدود الكون"
ضحكه الشجرة وهزت فروعها وقالت " شعور لا يمكن وصفه يا سياده القاضي, ان تري قلبين يلتقيان علي مشاعر واحده في ظلك وان تكون انت راعي هذا الحب في لحظه خروجه, هذا احساس لا يمكن وصفه يا سياده القاضي"
اكمل القاضي السؤال " هل لكي ان توضحي لعداله المحكمه اذا كان هذه المشاعر قد اضرت بكي او أذتك باي شكل من الاشكال"
هزرت الشجره فروعها وقالت " مطلقا .... هذه المشاعر لا تؤذي مطلقا و..."
همست في اذن حبيبتي " هل تسمعين؟ هذه المشاعر لا تؤذي مطلقا ... وكذلك التعبير عنها لا يؤذي" فحمر وجه حبيبتي خجلا وارتسمت علي وجهها ابتسامه خجل اشرق معها وجهها.
عدت استمع الي حديث الشجرة وهي تجيب علي اخر سؤال قائله " لو قدر لي ان احيا نفس هذا الموقف ثانيتا فسوف يكون ثاني اجمل موقف في حياتي ولن اتردد في ان امنح ظلي الي هذان العاشقين, ولو كان لي ثمر لأغدقت عليهما منه وهما يسكنان في ظلي"
شكر القاضي الشجرة, والتفت الي هيئه الادعاء وجدهم قد صمتوا تماما
ثم التفت الي منصه الاتهام سريعا وعاد ينظر الي جمهور الحاضرين ... ثم قال " الحكم بعد المداوله" ونهض خارجا من القاعه في صحبه مستشاريه
جذبت حبيبتي برفق حتي اصبحت تقف امامي تماما, واصبحت انفاسها العطره تضرب انفاسي ونظرت الي عينيها وتهت في عالمها, فوجدتني اسبح معها في بحر من النور وهي تقودني الي حيث تسكن في هذا العالم, وهبطنا علي ارض ليس كاي ارض وفوقنا سماء غير السماء .... و..... واستيقظت علي صوت عصفور صغير قد حط علي كتف حبيبتي ونحن نقف داخل هذا السياج الابيض داخل قاعه المحكمه في انتظار قدوم القاضي بالحكم, مددت يدي فتناولت العصفور الصغير من علي كتف حبيبتي وقلت له " ليس لك ان تلمس او تقترب من حبيبتي الا بأذني, وانا لن أذن لك ابدا بامر كهذا" وفردت له راحتي فوقف فوقها وقال " يبدو اني قد جيئت متأخرا ... انا هنا من اجل ان اشهد لكم ... كنت احد الشهود علي ميلاد حبكم ... ولكن يبدو ان الجلسه قد انفضت " شكرت العصفور الصغير واستاذنته ان ينصرف ويتركني مع حبيبتي تلك الدقائق قبل ان ينطق بالحكم.
قربتها اكثر مني وهمست اليها " مهما كان الحكم يا حبيبتي سوف يظل قلبي معكي الي الابد, لن استعيده, ولكن يكيفي من موقف كهذا ان عرفتي يا حبيبتي ما يكن لكي في صدري من مشاعر واحاسيس, ولا تشكي ولو للحظه واحده في حبي واخلاصي لكي"
ابتسمت ثم ضحكت تلك الضحكه الخجوليه ولم تنطق باي كلمه, وانما رأيت نظرات القلق باديه في عينيها من جديد, فضممتها الي صدري من جديد ثم عدت ونظرت الي عنيها مباشرتا وقلت " لا تقلقي يا حبيبتي ... لا تقلقي ابدأ طالما في صدري هذا نفس يتردد ... "
ومددت يدي برفق فحتويت خديها بين راحتي وهمست "أحبك"
وارتفع صوت الحاجب "محكمه"
ودخل القاضي وتوسط القاعه وبدا في نطق الحكم " بعد الاستماع الي شهاده الشهود وبعد الاستماع الي دفاع المتهم والاطلاع علي التهم المنسوبه اليه هو وحبيبته ..... حكمت المحكمه حضوريا علي المتهم وحبيبته بالزواج المؤبد مدي الحياه ...... رفعت الجلسه "