بعد يوم دراسي شاق امتد من الساعه السادسه صباحا حتي قاربت الساعه علي السابعه مساءا, غادرت الكلية وانا اجر أقدامي جرا وأشتاق الي أحضان السرير الدافئه في هذا الوقت من الشتاء شديد البروده حيث أبلت الشوارع بمياة المطر التي لم تتوقف منذ الصباح الباكر عن الهطول بشكل متقطع, ولم تشرق الشمس بشكل كامل الا لفترات قصيرة وخاطفه لتعود وتحتجب خلف الغيوم الكثيفه معلنه يوما أخر من ايام الشتاء المظلمه والشديدة البرودة في مدينه الاسكندرية.

توجهت الي محطه الترام وعيناي يملأهما النعاس وأنتظرت لفترة وجيزه حتي جاء الترام الازرق التي تتميز به مدينه الاسكندريه, و في هذا الوقت قد خفت حركه المرور وخلت الشوارع من الماره ولجأ الجميع الي بيوتهم يحتمون من البرد ويطلبون الدفء في احضان أحباءهم.

توقفت عربة الترام الوسطي امامي مباشرتا, ولكنها كانت العربة المخصصه للسيدات فترجلت سريعا الي العربه الاولي وصعدت سريعا درجاتها وأتخذت مكانا في مواجهه مدخل العربة مباشرتا, ووقفت خالي الذهن ولم اجلس رغم اني لاحظت ان العربه لا تحوي من الركاب الا عدد لا يتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة, ولم أحاول ان ابحث عن السر في هذا, فربما اعتدت ان اقف في الترام لاني لم اكن استقلها الا في اوقات ازدحامها.

أنطلق الترام بسرعه عاليه نسبيا لم اعتدها من قبل وكان هذا يرجع الي سهوله حركه المرور في هذه الساعه من اليوم بالاضافه الي بروده الجو التي أخلت الشوارع من الماره, كنت أقف في الترام ممسكا بأحدي يدي في قائم حديدي مخصص لحفظ اتزان الركاب ويدي الاخري ممسكه بكشكول المحاضرات, قلل الترام من سرعته معلنا أقتراب محطه جديدة من محطاته في خط سيره ,ثم توقف تماما وفتحت أبوابه في أنتظار صعود الركاب علي متنه. في المعتاد يتوقف الترام ما بين العشر ثواني الي الدقيقه الكامله في المحطه حتي ينتهي الركاب من الصعود والنزول ولكن هذه المرة لم ينتظر الترام أكثر من اربع ثواني او خمس ثم بدأ في التحرك دون ان يغلق ابوابه, وأرجعت انا ذلك في وقتها الي كون المحطه تقريبا شبه خاليه ولا يوجد بها الا عدد محدود من الركاب, ومن نافذة الترام المجاورة لمدخل الترام التي اقف في مواجته مباشرتا لمحت ثلاث فتيات في العشرينات من عمرهن او أقل يسرعن الخطي ناحيه باب الترام الذي اقف امامه, وبمجرد ان لمحتهن بدي علي وجهي الاستنكار فهن يسرعن الخطي الي العربه المخصصه للرجال متجاهلين العربه المخصصه للسيدات والبنات ومما يدعوك فعلا الا الاستنكار هو ان كلا العربتين سواء المخصصه للرجال او المخصصه للسيدات قد خلت تقريبا من الركاب, أي انه ليس هناك عذر حقيقي او سبب مباشر في رغبتهن في أللحاق بعربه الرجال دون عربه السيدات, ولكنهن كنا أسرعن من خطاهن حتي أصبحن في مواجهه مدخل العربه مباشرتا ثم قفزت أحداهن لأستقلال الترام المتحرك بالفعل والمفتوح الأبواب, شاهدت قفزتها وللحظه خيل لي انها سوف تستقر علي اولي درجات سلم مدخل العربه ممسكه بالاطار الحديدي المساعد علي الاتزان, ولكن هذا لم يحدث, ففي نفس اللحظه التي وضعت احدي قدميها علي اولي درجات سلم مدخل الترام عجزت يدها التي كانت تمتد لتقبض علي الاطار الحديدي عن الأمساك به وأختل توازنها وبدأت في السقوط من الترام وهو يتحرك.

لو أني فكرت ولو للحظه في ماذا يمكن ان افعله في موقف كهذا ثم أخذت قرار بأن اتحرك واحاول انقاذ تلك الفتاه التي تسقط من الترام المتحرك للزم هذا الامر مني حوالي ثانتين علي اقل تقدير, وخلال تلك الثانتين كنت بالتأكيد سوف اشاهد الفتاه وهي تسقط في اتجاه عجلات الترام ولربما شاهدت مشهد مؤلم لم اشاهده طوال حياتي, ولكن ما حدث معي كان مختلف, فحتي لحظه كتابه هذه السطور والتي يفصلها عن هذه الواقعه حوالي سنتين او أكثر لم استطيع ان اعرف كيف أمكني في اقل من لحظه ان اقطع مسافه المترين الذين كانا يفصلاني عن مدخل الترام وان أقبض علي معصم الفتاه بكل قوتي وأمنعها من السقوط, مازال المشهد حي في ذاكرتي ولكن عن هذه اللحظه اجد المشهد قد تشوش قليلا واشعر اني بالفعل قد تلاشيت من مكاني لأظهر في مقدمه مدخل الترام لأقبض علي معصم الفتاه, اي سرعه تلك التي تحركت بها وقطعت مسافه مترين في لمح النظر, ثم اي سرعه في رد الفعل تلك واتخاذ قرار بالتحرك قد تحركت بها وأتخذت القرار في لحظه أختل فيها توازن الفتاه علي اولي درجات سلم مدخل الترام وهو يتحرك.

قرأت كثيرا عن تأثير هرمون الأيندرلين علي جسم الانسان في حاله المواقف الصعبه والخطرة وكيف انه يمكن ان يضاعف من قدرات الانسان البشريه والجسديه عشرات المرات في فترة وجيزه لمواجهه موقف ما, وقرأت ايضا عن بعض الحالات المسجله في المراجع العلميه المختصه بتسجيل حالات ما فوق الطبيعه عن أشخاص تحولوا الي أشباه خارقين في مواقف الخطر وبذلوا مجهود فوق الطاقه البشريه وخارق للمألوف, واذكر منها ذلك الرجل الذي كان يقف في اشاره مرور منتظرا الحافله وكان هناك سيده معها ابنتها تعبر الطريق حين جاءت عربه يقودها رجل ثمل بأقصي سرعه وأصبحت علي وشك ان تصطدم السيده وبنتها, حينها تحرك هذا الرجل بشكل لأ ارادي وقفز مسافه تتعدي الثلاث أمتار في لحظه واحده ووقف في مواجهه العربه فصدمته العربه التي كانت تسير بأقصي سرعه وتحطمت العربه !!! نعم تحطمت العربه فقد قام هذا الرجل بأيقافها تمام ولم يصب بأي مكروه سوي ان هذه العربه تهشمت تماما كما لو كانت اصطدمت بجدار فولازي مثبت في الطريق, ونجت السيدة وطفلتها من الموت, وحين أجريت الفحوصات الطبيه علي هذا الرجل وجد انه شخص عادي لا يتمتع حتي بأي قوي عضليه زائده عن مستوي القوي العضليه لشخص عادي, هو نفسه لم يصدق انه قام بهذا ولكن كل ما قاله هو انه شعر في لحظه ان هناك قوي هائله تفجرت داخله حين شاهد الموقف فتحرك وأوقف العربه وأنقذ السيدة وطفلتها !!!

بالـتأكيد هو هذا الهرمون العجيب الذي اخرجني في لحظه واحده من حاله النعاس التي كانت غالبه علي ودفع جسدي المتهالك بعد هذا اليوم الشاق الي التحرك بهذه السرعه والتي تأكدت من مدي سرعتها حين وجدت الفتاه قد أطلقت صرختها بعد ان قبضت علي معصمها بفارق زمني ضئيل, اي اني قد اتخذت قرار بالتحرك وتحركت وقبضت علي معصمها ومنعتها من السقوط في تلك الفترة الزمنيه التي تفصل ما بين حدوث الحدث وخروج صرخه من حلق الفتاه, وما أسرع صرخات الفزع حين تصدر من فتاه في حادث !!!

بمجرد ان قبضت علي معصم تلك الفتاه, للحظه خيل لي انها لن تكمل سقوطها وكان هذا ليحدث لولا ان الترام نفسه كان في مرحله تزايد السرعه, مما يعني ان أتزاني انا ايضا عرضه للأختلال, وهذا ما حدث فقد أختل توازني انا ايضا, وللحظه اخري خيل لي اني سوف اسقط معها, ولكني بنفس الطريقه الاأرادية وبنفس السرعه المتناهيه امتدت يدي الاخري لتقبض علي الاطار الحديدي لمدخل الترام ثم تقوس جسدي ليتخذ شكل علامه استفهام لأصبح في وضعيه تسمح لي بأن اجذب تلك الفتاه.

في تلك اللحظه اصبحت تلك الفتاه معلقه في ذلك الفراغ الذي يفصل ما بين عجلات الترام واولي درجات مدخل الترام, ولأمست اطراف اقدامها ارضيه المحطه التي كان الترام علي وشك ان يغادر حدودها تماما وهو مازال يزيد من سرعته في تلك الشوارع التي خلت من السيارات ايضا, وأطلقت الفتاه صرخه اخري حين تلامست اطراف اقدامها مع ارضيه المحطه, حينها أستجمعت ما تبقي من قواي وجذبتها.

لو طلب مني ان احاول ان اجذب فتاه في العشرينات من عمرها متوسطه الحجم وهي واقفه علي قدميها لفعلت هذا بمنتهي السهوله, ولو طلب مني ان أحملها وألقيها بعيدا لفعلت هذا بكل يسر لاني قد فعلت هذا من قبل مع اكثر من صديق لي, ولكن الموقف هنا كان يختلف, فالموضع الذي اصبح جسد الفتاه معلق فيه عن طريق قبضتي التي تلتف علي معصهما وتمنعها من السقوط كان معقد بعض الشيء, فالجذب المباشر بأتجاهي وهو اتجاه الحفاظ علي اتزاني في المقام الاول يعني اقحام الفتاه بأتجاه درجات سلم مدخل الترام ويعني ايضا اقحام قدميها باتجاه عجلات الترام, لذا فالجذب المباشر ما كاد يجدي نفعها, لذا كان علي ان احاول ان ارفعها قليلا الي اعلي وهذا ما يستحيل مع تلك الوضعيه المتقوسه التي اتخذها حفاظا علي أتزاني, ولكني حاولت بكل قوتي وجذبتها مع محاوله رفعها, ولكني لم انجح سوي في رفعها لسنتيمترات قلائل علي اثرها لم تعد قدميها تلامس ارضيه المحطه, ولكن هذا كان الأسوء فهي الان في وضح جعلها تتأرجح مع استنادها بيدها الاخري الي احدي درجات سلم الترام, وسوء هذا الموقف هو انه قد قربها من عجلات الترام الفلاذيه القاسيه والترام نفسه مازال يزيد من سرعته تدريجيا بشكل مخيف وقد غطي صوت تسارعه علي الموقف تماما.

حاولت للمره الثانيه جذبها مع محاوله رفعها قليلا ولكن هذه المره عاجلتني ابواب الترام بصوتها المميز وهي تعلن علي بدايه رحله أغلاق الابواب لان الترام قد وصل الي سرعته المعتاده, واغلاق الابواب في هذه اللحظه التي استخدم فيها احدي يدي في القبض علي الاطار الحديدي لمدخل الترام لحفظ توازني واستمد نقطه اتزان لتمتد يدي الاخري لتقبض علي معصم تلك الفتاه التي تتأرجح بأتجاه السقوط من الترام المتحرك, تحرك الابواب في هذه اللحظه يعني انه في الثانيه القادمه سوف يغلق علي يدي القابضه علي معصم الفتاه او يغلق علي معصم الفتاه نفسها, وتزامن مع اصوات بدايه حركه المكابس النيوماتيكيه للابواب مع صوت مجموعه من الصرخات خرجت من افواه مجموعه من الماره علي اطراف المحطه تطالب سائق الترام بالتوقف, هنا برز امل فأن انا استطعت ان احافظ علي تعلق الفتاه هكذا لمده اطول فبالتأكيد سوف يقف الترام علي أثر صرخات الماره الذين شاهدوا هذا الموقف, ولكن ما هو الحل مع هذا الابواب وهي في رحلتها الي الاغلاق, وكيف لي ان اقفها وانا تقريبا استخدم كل اطرافي في الحفاظ علي الوضع الحالي!!!

لم يكن أمامي سوي ان اعيد محاوله جذب الفتاه مره أخري, ويبدو ان تضاعف الخطر مع تحرك الابواب قد مدني بمزيد من القوه حيث جاءت جذبتي هذه المره اقوي من سابقتها وارتفعت الفتاه بمقدار جيد الي اعلي وقاربت يدها من اولي الاطارات الحديديه لمدخل الترام وبالفعل قبضت يدها علي هذا الاطار مما سمح لي ارخي قبضتي الملتفه حول معصمها قليلا وأميل بجسدي لأضع كتفي الايمن في طريق رحله ابواب الترام الي الاغلاق وامنعها من الانغلاق, وبدأ الترام بالفعل في تقليل سرعته بشكل مفاجئ, وعاد الخطر من جديد.

حسب قوانين الفيزياء فأن اي جسم متحرك يقاوم محاوله ايقافه ويحاول ان يحافظ علي حاله حركته, وهذا ما حدث بالفعل في هذا الموقف العصيب, فمع صرخات الماره في سائق الترام ان يتوقف ومع ما بلغه من سرعه عاليه نسبيا ضغط السائق مكابح الترام ليوقفه في اقل وقت ممكن وهذا ما لم اكن اتمناه ابدأ, فهذا يعني ان الفتاه سوف تصاب بصدمه وهي معلقه في هذه الوضعيه تدفعها الي الامام لتقربها من عجلات الترام التي مازالت تدور مثل الدوامه التي تجذب ضحاياها, كنت أتمني ان يقلل الترام من سرعته تدريجيا بنفس الاسلوب الذي زاد به من سرعته ولكن هذا لم يحدث, وبالفعل أندفع جسد الفتاه الي الامام بقوه.

كان الوضع المتقدم الذي اتخذته لأيقاف الابواب بطرف كتفي الايمن يمكني ان افلت معصم الفتاه وان اقبض علي كتفها الايسر لأمنعها من الاندفاع الي الامام, وان كان هذا لن يمنع الاندفاع بالشكل الكافي, ومن الافضل ان تلتف يدي حول خصرها لرفعها بالكامل ومنعها من الاندفاع علي اثر فرامل الترام, للحظات كنت سوف اقوم بهذا وأمتدت يدي بالفعل لتلتف حول خصرها, ولكني ترددت لثانيه واحده, شيء ما منعني من فعل هذا, حاجز ما منعني من ان تمتد يدي تلتف حول خصر فتاه أجنبيه حتي ولو كان في هذا الموقف العصيب, منعني لحظه او لثانيه وجعلني اتردد, وهذا يعني ضياق الوقت وأندفاع جسد الفتاه بالفعل الي الأمام علي اثر فرامل الترام في اتجاه عجلات الترام القاسيه.

لو أصابها مكروه لظللت اتذكر هذا الموقف علي مر حياتي وبالتأكيد كنت سوف ألوم نفسي بشده علي ترددي في هذه اللحظه العصيبه, ولكن العنايه الله –سبحانه وتعالي- لم تشأ ان تراق قطره دم في هذا اليوم, فعلي اثر فرامل الترام الفجائيه أندفع بالفعل جسد الفتاه الي الأمام بقوه مما دفعني الي تتحول قبضتي من حاله الارتخاء حول معصم الفتاه الي حاله القبض والجذب بشده في اتجاه معاكس لاتجاه اندفاعها, بالاضافه الي ان طرف قدمها اليسري قد اصطدمت بارضيه الشارع مما قلل من سرعه أندفاعها بتجاه العجلات, وأخيرا توقف الترام.

لم اعرف ان ما بذلته من مجهود خلال تلك اللحظات يفوق المجهود البشري المعتاد بمراحل الا حين توقف الترام, فوجدت وجهي قد احمر بشده وانفاسي متسارعه بشكل هائل وقد انتفخت عروق عنقي بشكل دفعني الي ان اضحك علي نفسي محاولا ان اهدئ من الموقف, ولمحت زميلات تلك الفتاه والتي افلت معصمها بمجرد توقف الترام والفتت هي قبضتها عن اطار مدخل الترام وتركت جسدها يمتد علي ارضيه الشارع, رأيت زميلاتها يهرعن اليها ويقفونها وبعض الماره قد جاء مسرعا لعله يستيطع ان يقدم اي مساعده, ولكن تلك الفتاه نهضت سريعا واستقلت الترام مع زميلاتها في نفس العربه التي دار علي بابها هذا الموقف العصيب.

عدت الي نفس المكان الذي كنت أقف فيه قبل حدوث هذا الموقف لأجد كشكول المحاضرات قد استقر في احد اركان عربه الترام بشكل مزري يوحي بأني قد القيه بشكل لا أرادي في اللحظه الاولي التي حدث فيها هذا الموقف, واتخذت تلك الفتاه وزميلاتها ركن مواجه لي في عربه الترام.

لو كان هذا الموقف جزء من فلم اجنبي لوجدت البطل بعد ان انتهي الحادث قد وقف ينظر الي عيني البطله التي انقذها لتوه وتحركت الكاميرا بشكل انسيابي وارتفعت الموسيقي التصويريه لتعطي ايحاء بالتلك المشاعر التي ولدت بين الاثنين في لحظه عصيبه, ثم يتكلم البطل ببعض الكلمات التي علي اثرها تتفاعل معه البطله ويقتربا من بعضيهما وقد يقبلان بعضهما بعض!

اما اذا كان هذا المشهد من فلم عربي فسوف تلحظ سذاجه التعبير عن الموقف اساسا والمبالغه في ردود الفعال وغالبه ما سوف ينتهي الفلم بزواج البطل والبطله.

ولكن كان هذا مشهد حدث لي بالفعل في حياتي, مشهد حدث في لحظه, لحظه ادركت فيها معني ان يكون هناك لحظه تفصل ما بين الحياه والموت
انها مجرد لحظه
لحظه واحده

تحرير في
15.8.2007