لا اذكر متي ولا أين نشأت أول صداقه في حياتي, كل ما اذكره أني أحسست أول ما أحسست أن هناك أناس من حولي يحبونني في المرحلة الابدائية وبالتحديد في الصف الخامس الابتدائي, كنا ثلاثة أصدقاء, متميزون في دراستنا, كل أساتذتنا تثني علينا وعلي اجتماعنا الدائم معا, حتى أني اذكر أن مدرسه الألعاب استدعتنا نحن الثلاثة ذات يوم وكلفتنا بالإشراف علي امن المبني الرئيسي في المدرسة,وقالت جملة جميلة حوت معني الاتحاد,قالت "انتم الثلاثة بتجمعكم أفضل من يقوم بهذا الدور ....فقط باتحادكم".في تلك اللحظة شعرت لأول مره بمعني أن يكون لي أصدقاء أحبهم واشتاق إلي لقاءهم, مازلت احمل في صدري كل الاحترام لهذه المدرسه التي علمتني كيف أحب أصدقائي.

يبدوا أن مرحله الابتدائي مرت بأسرع ما نتصور وتفرقنا نحن الثلاثة, لتبدأ مرحله جديدة في حياتي,مرحله علمتني كيف اختار صديقي, كيف أتوخي الحذر عندما اقرب هذا مني او ابعد هذا عني؛ ففي هذه المرحلة ازدادت علاقتي بأحد زملائي الذي كان معي في المرحلة الابتدائية وانتقل معي إلي المرحلة الإعدادية ليكون معي في نفس الفصل, والغريب إنني اكتشف انه يسكن بجواري, نمت علاقتي به بسرعة فائقة كنا ذهب إلي المدرسة سويا ونعود سويا, معظم الوقت نقضيه مع بعضنا البعض, وامتد الأمر إلي أن أصبحنا نذاكر مع بعضنا البعض, أحببت هذا الصديق كثيرا ووثقت فيه ثقة كبيرة,ولكني لم أكن اعلم أن الثقة يجب إلا تعطي إلي أول من نقابله في حياتنا.

لا أريد أن اذكر أي موقف من المواقف التي سبقت نفوري منه إلي الحد الذي دفعني في ذات يوم إلي أن أقول له مباشرتا وبكل هدوء "لا أريد أن أعرفك ",ولكن يكفي أن يعرف القارئ أن أهم صفه يجب أن تتوفر في الصديق هي أن يحترم مشاعرك وان يحترمك أنت أولا وقبل كل شئ.

المشكلة التي تعرضت لها بعد ذلك هي كيف أتخلص من هذا الصديق الذي وجدت انه لا يريد أن يبتعد عن طريقي, فلقد اكتشفت انه بلا مشاعر او أخلاق,رغم أني قد صرخت في وجهه وأخبرته إنني لا أريد أن اعرفه بعد اليوم يأتي في اليوم التالي ويتكلم وكأن لا شئ حدث بالأمس.ربما يتهمني البعض باني قاسي وان هذا الفتي المخادع رقيق القلب طيب النفس ولا يحمل بغضا لأحد, الغريب انك بالفعل عندما تتعامل معه لأول مره سوف تتغزل في صفاته الجميلة ولكن عندما تقترب منه كما فعلت أنا تكتشف انك كنت ضحية محترف خداع ومنافق.

نعم لقد تعبت كثيرا حتى أتخلص من هذا الفتي, حتى انه أصبح كابوس في حياتي, وأنا مصر علي التخلص منه وهو لا يملك أي كرامه كلما رددته عاد إلي وكأن شئ لم يحدث.

الدرس الذي تعلمته من هذا المرحلة الغريبة أنك لن تعرف الناس من حولك إلا اذا تعاملت معهم لمده كافيه للتعرف علي سلكهم الطبيعي وأخلاقهم الحقيقية, أيضا تعلمت أن المشاعر هي أهم جزء في حياة أي إنسان طبيعي.

نفضت عن عاتقي أحداث هذه المرحلة ولكن احتفظت لنفسي منها بهذين الدرسين.

ثم جاءت المرحلة الثانوية-مرحله نضج الشخصية-هنا وجدت نفسي شخص انعزالي بشكل ملحوظ, نعم كل من حولي يحترموني ويحبوني ولكن عندما يأتي اسمي علي ألسنتهم أجد صفه ملصقه بي دائما.....انعزالي.

وكانوا صادقين في وصفهم لي, يبدوا أن تجربتي مع هذا الفتي في المرحلة الإعدادية قد صنعت مني إنسان حذر إلي أقصي حد في التعامل مع كل من يحاول أن يتعرف علي او يتقرب مني, أتعامل مع الجميع ولكن ليس من بين الجميع أي شخص مقرب لدي, اجلس بمفردي لأوقات طويلة أتأمل, وهم يسخرون من تأملي مما يزيدني بعدا عنهم, ليس منهم من يحترم مشاعري او يفهم أفكاري. انعزلت لفترة عن الأصدقاء وركنت إلي القراءة, وازدادت السخرية مني لانعزالي. في البداية كنت أضيق اذا سخروا مني او من هواياتي ولن بمرور الوقت تيقنت إنني لست مخطأ في أن اعيش هكذا, وقد ازداد تيقني من هذا عندما وجدت نظرات الحسد في أعين الكثير من الزملاء, الغريب أنهم يسخرون مما اصنع ويسخرون من بعدي عنهم وعن تفاهتم في بعض الاحيان ومع ذلك يحسدونني لأني متفوق عليهم في الدراسة ومقرب إلي كل الأساتذة والمشرفين في المدرسة حتى مدير المدرسه يقدرني؛ فقد حصلت علي لقب الطالب المثالي لعامين متتاليين. كانت أول مره اشعر في حياتي بمعني أن تكون انسان مشهور, علي الأقل في مكان صغير مثل المدرسة, وكان إحساس جميل.كنت الوحيد في المدرسة الذي يجلس في حصة الألعاب دون أن يشارك الباقين في لعب كره القدم, كانت هذه مشكله أخري في نظري تعوقني في أن يكون لي صديق؛ فليس هناك أي شخص يشاركني هوايتي المفضلة في ذلك الوقت-الشطرنج-وفي نفس الوقت أن لا أشارك الكل في هوايتهم الأولي والأخيرة-كره القدم-كنت أؤمن أن صديقي هو من يشاركني هوايتي.

واستمر الحال علي ما هو عليه حتى نهاية المرحلة الثانوية.

وعندما انتقلت إلي المرحلة الجامعية لم أكن أتوقع أن يحدث كل هذا التغير في حياتي,الكل كان يتوقع لي أن انزوي في ركن مظلم في الكلية لأن حياة الكلية لن تكفل لي التميز الذي كنت اتمتع به في المرحلة الثانوية. لم يكن احد يتوقع أن هذا الإنسان الذي كان يجلس وحيدا دائما؛ إنما كان يبحث أن أناس يعرفون معني الحياة ويقيمون للمشاعر و زنها في صياغة العلاقات. كان انعزالي عن من حولي في المرحلة الثانوية يأتي من أني لم أتعامل مع إنسان خلال هذه المرحلة ووجدته يتفق معي في أي من هذين المبدأين.

المؤكد لدي أن الحياة الجامعية تحوي كل الأنواع من طبقات المجتمع وثقافاته المتنوعة وكان من الأمور المسلم بها أن وسط هذا الحشد المهول من الطلبة لابد أن أجد الصديق او الأصدقاء الذين طال بحثي عنهم, وهنا تغيرت استراتيجيتي في التعامل مع من حولي, فمن واقع الخبرة التي اكتسبتها علي مر المراحل الثلاثة التي مضت علي؛ أصبحت أستطيع أن اقترب من زملائي لأتعرف عليهم دون ان تربطني بهم أي علاقة سوي الزمالة فقط, وكان الأمر أجمل مما أتصور تعرفت علي ناس من كل الطبقات والفئات والثقافات, والغريب أن الموضوع استهواني بشده حتى أني كنت اجلس بالساعات أفكر في تصرفات هذا وكلام هذا وكيف تصرف الزملاء في موقف الأمس ..و...و...ألخ

لأجد نفسي بعد مرور ستة اشهر علي دخولي الجامعة امتلك خبرة لا باس بها في سبر أغوار من حولي,حتى أن زملائي عرفوا عني هذه القدرة وبدءوا في الاستعانة بي واستشارتي في شئونهم, وكان هذا هو السبب في أن أخوض تجربه جديدة في حياتي ....ليس هناك متسع لذكرها ولكني خرجت منها وقد تعلمت الكثير والكثير.

ولان أجد نفسي وسط مجموعه كبيرة جدا من الزملاء والأصحاب والأصدقاء وخاصة الأصدقاء.

كلهم أحبهم ولا أكن لأي منهم أي شئ في صدري سوي الحب والاحترام.

كانت هذا تلخيص سريع لأكبر تجربه عشتها في حياتي ومازلت اعشها......تجربه الأصدقاء.

م.هاني جلال

تحرير في 17-9-2004

في تمام الساعة الرابعة واثني عشر دقيقه قبل الفجر

Labels: | edit post