كان يوم من أيام الشتاء ذات الصباح البارد ..... ورغم هذا كان علي أن اذهب إلي كليتي في هذا البرد القارص, وكانت أول محاضره في جدول هذا اليوم عبارة عن معمل طاقة كهربية, وهو معمل من معامل الكلية القدامى حتى انك لتظن انك داخل متحف للآلات الكهربية وأنت دخل هذا المعمل العملاق ...فتجد ماكينات عملاقه ... ومحركات هائلة ... حتى مصدر التيار الكهربي في هذا المعمل خطر إلي أقصي درجه ... وقد تصل خطورته انه يجب عليك ألا تقترب منه إلي حد معين و إلا تسببت المجالات الكهربية لهذا المصدر الكهربي في إعطائك صدمه كهربية دون أن تلمس أي شيء, فقد لمجرد انك اقتربت إلي حد معين. ووسط كل هذا المخاطر ....تجمع الطلاب في المعمل حول المعيد ( وكنت من ضمنهم) وأضاء المعيد مصباح كهربي متوسط الحجم ... وإطفئ جميع مصادر الإضاءة في المعمل عدا هذا المصباح ... ثم اخرج المعيد جهاز صغير ... وشرع في الشرح عن ماذا سوف نقوم به اليوم من تجربه ظريفة جدا ...اليوم التجربة عن قياس شده الإضاءة ... واثبات قانون التربيع العكسي لشده الضوء ... والتجربة من أسهل ما يمكن ....فالجهاز الصغير يقيس شده الإضاءة ... ولا يوجد سوي مصدر أضاءه وحيد في المعمل ... سوف نقوم بقياس شده إضاءته ... وشرع المعيد في تنفيذ التجربة ... وضع الجهاز علي بعد مناسب من مصدر الضوء وامسك الجهاز وأراد أن يقرأ قياس الجهاز لشده الضوء علي هذا البعد ... وارتفع حاجبي المعيد ولم يقرأ شيء ... ثم ابعد الجهاز قليل وارد أن يقيس مره أخري ... ولكن وجدناه في حيره من أمره ... ثم عاد فبتعد أكثر ... وأراد أن يقيس ... ثم هز رأسه وكأنه ينفي شيء ... ثم وجدناه يقلب بصره في المعمل ككل ... ثم تمتم ببعض الكلمات ... لم أكن اعلم ماذا يحدث بالضبط ... ولا سبب الحيرة التي وقع فيها المعيد ... إلا عندما قال"هو كان شغال الصبح معايا" ... فهمت أن الجهاز يعاني عطل ما ... ولكن عندما نظر المعيد في جوانب المعمل مره أخري وكأنه يبحث عن شيء ... كان واضح انه يتأكد من عدم وجود مصدر ضوء أخر ... وبتلقائية وجدت نفسي اشارك المعيد نظراته في جوانب المعمل ... ثم توقفت فجأة ... بالفعل هناك مصدر ضوء أخر ... قوي جدا ... ينبعث من هناك ... من تجمع الطالبات ... راعني المشهد ... كيف لم يراه المعيد ... ثم كيف تقف الطالبات وسط كل هذا الضوء ... والاهم هو ما هو هذا المصدر ... التفت إلي المعيد ... وكنت أتوقع أن أجده يسرع إلي هذا المصدر المجهول ليعرف ما هو ... ولكني وجدته يتفحص الجهاز بتأني لعله يجد العيب به ... نظرت إلي زملائي من حولي ... فلم أجد احد يبالي بهذا المصدر الجديد ... و كأنهم لا يرونه ... كدت اجن عندما وجدت هذا أيضا حال الطالبات ... لا احد يري هذا المصدر الضوئي الذي ينبعث من وسط تجمع الطالبات ... ولان الضوء كان أوضح من أن أتجاهله ...أو حتى اشك في أن قد أصاب عيني زغللة ... فقدت تراجعت قليل إلي الخلف لعلي اعرف ما هو مصدر هذا الضوء الذي يفسد علينا تجربنا ... وراعني ما شاهدت ...انه نور وليس مجرد ضوء ... نور هادئ يبعث الطمأنينة في القلوب ... نور ينساب من احد الزميلات ... ينساب من حجابها الأبيض الذي ينسدل علي كتفيها ويمتد ليغطي جيبيها ... نور ينبعث من جبهتها ووجها ...وهناك علي وجهها تسكن ابتسامه رضي هادئة ... وجدت نفسي أحدق في هذا النور كالمذهول ....يا الهي ما هذا! ... ولماذا لا يراه بقيه الزملاء ....حتى الزميلات الأتي يقفن بجوار هذا الزميلة ... لا يشعرن بهذا النور ... وهاهو جهاز قياس شده الإضاءة... يصرخ ويعلن وجود مصدر ضوء مجهول ...جهاز قياس شده الإضاءة يرفض أن يغير قراءته ويقول انه هناك ضوء أضافي ... نظرت إلي المعيد فوجدته قد أرهق من كثره فحص الجهاز ... ثم عدت ونظرت إلي هذا النور ...شعرت أني انظر إلي مرأه من الجنة ... المعمل كله يكاد يتحول إلي نهار من نورها ... هذه الزميلة كما عهدناها مؤدبه وعلي خلق ... لا تسمع صوتها أبدا ... ولا ترها تمشي إلا علي استحياء ... وهي في لبسها قدوه إلي كل بنات جيلها ... إذا ضحكت تجدها تخفي ضحكتها من شده حيائها .... وإذا غضبت احمر وجهها ... ولكن لا تسمع صوتها ... لا تجدها واقفة سوي مع زميلاتها ... عدت انظر إلي المعيد الذي امسك الجهاز بشده وسأل في حده "في نور تاني هنا؟" ...ثم قال علي أي حال ....يبدو أن الجهاز قد خرب ...سوف أعطيكم نتائج التجربة التي قمت بها بالأمس ....حتى نعرف ماذا حدث للجهاز ... ضحكت عندما سمعت عبارة المعيد الأخيرة ... فأنا اعرف لماذا لم يستجب الجهاز للمعيد ...هذا الجهاز الصغير ... يؤكد أن الأخلاق الحسنه وأتباع ما امرنا الله به في الدنيا دون مراوغه وأتباع ما تهوي النفس هو مصدر من مصادر النور في الدنيا والآخرة ... وأنفض الطلاب إلي خارج المعمل ... وأنا احمل ابتسامه ثقة في أني قد تعلمت درس جديد في هذا الحياة ...انه درس النور ... كل النور


م.هاني جلال