بسم الله الرحمن الرحيم

أن كنت بصدد أن أتحدث عن جهاز الكمبيوتر, فأحب أن أتوجه ببالغ الشكر إلي كل من ساهم ولو بجزء يسير في اختراع وتطوير هذا الجهاز العظيم ؛الذي كان له الفضل في تغير شكل الحياة علي الكره الأرضية.

لا اعرف بالتحديد متي كانت أول مره اسمع فيه عن الكمبيوتر ولا ادري متي رأيته أول مره,ولكن ما اذكره جيدا أني عندما بدأت أسال عما يحيط بي في هذا العالم الواسع سألت عن شئ رايته لأول مره وكانت الاجابه "انه جهاز الكمبيوتر".

كالمعتاد لطفل صغير أن يسأل ويسأل و يسأل حتى يصرخ في وجهه احد أبويه ويقول له "كفاية أسئلة وجعت دماغنا",أو يتعب هذا الطفل من الأسئلة عندما لا يستطيع أن يستوعب عقله الإجابات,وكنت أنا هذا الطفل الذي صمت عندما عجز عقله عن الاستيعاب؛ربما كان هذا السبب فيما سوف أخذه عن جهاز الكمبيوتر من انطباع مازلت متأثر به حتى ألان.....!

سكت كطفل صغير ولكني أكننت في أعماقي تقدير خاص لهذا الجهاز .....فما سمعته عنه كان رائع ......وقد تأكد لدي هذا الانطباع عندما اتيحت لي الفرصة أن أري بعض مما يفعله هذا الجهاز العجيب.

مازلت اذكر مقدار هذا الانطباع حتى أني كنت أظن أن هذا الجهاز يمكنه أن يصنع أي شئ وكل شي,وتستطيع من خلاله أن تعرف كل معلومات الدنيا وربما الآخرة .......!!!

كان أول تعامل لي مباشر مع جهاز الكمبيوتر عن طريق الألعاب....مازلت اذكر كيف سمعت أصحابي وأنا في الصف الإعدادي-أولي أعدادي عما اذكر-يتحدثون عن ألعاب الكمبيوتر بحماس شديد,وكرد فعل طبيعي ذهبت مع أصحابي لكي أتعرف علي هذه الألعاب وأشاهد ما يحكون عنه ليل نهار.

يبدو أن أول لقاء بيني وبين جهاز كمبيوتر كان مؤثر جدا,مازلت اذكر مقدار انبهاري بالصور المتحركة علي الشاشة,مازلت اذكر مقدار انبهاري بمقدرة ألاعب علي التحكم في شخصيه تكاد تكون حقيقية-في هذا الوقت كان نظام التشغيل دوس والرسوم المتحركة في الألعاب في بدايتها-موضوع التحكم بهرتني إلي أقصي حد,حتى أني قد ظللت أيام أتخيل أنني امتلك جهاز كمبيوتر وأستطيع أن أتحكم في كل شي حولي بمجرد الضغط علي لوحه المفاتيح.

بعد هذا اللقاء قررت أن أجرب بنفسي والعب .....كم كان العب لذيذ....أتذكر ألان كيف كنت انسي ما حولي ومن حولي واندمج في العبه حتى النخاع.

في ذلك الوقت كنت أفضل أن العب لعبه تدعي(mortal kombat)كانت مشهروه جدا في هذا الوقت ....ومازالت بسبب أنها في الأساس كانت فلم من أربع أجزاء وحولت إلي لعبه...وأخذت تتطور مع تطور الحاسب وقد عاصرت تطورها خطوه بخطوه حتى أخر إصدار منها!

لي يقتصر الأمر معي علي مجرد اللعب,فقد كان فضولي يدفعني إلي أن أراقب المسئول عن مركز الكمبيوتر وهو يقوم بتشغيل الجهاز وكيف كان يقوم بكتابه أوامر الدوس كي تبدأ العبه.

أتذكر أني في يوم من الأيام ذهبت إلي هذا المركز ولم انتظر حتى يأتي المسئول ليقوم بالتشغيل بل قمت أن بالتشغيل وكتبت أمر"dir"وانتظرت نتيجة الأمر,وكم كانت فرحتي عندما استجاب الكمبيوتر للأمر وعرض قائمه بأسماء الملفات في الفهرس الرئيس,في ذلك الوقت لم أكن اعلم ماذا افعل ولكن كان داخلي رغبه شديدة في أن اشعر أني مسيطر علي هذا الجهاز العجيب,الغريب في الأمر أني بعد كتابه هذا الأمر جلست مكاني ولم افعل شئ سوي أني تمددت في المقعد زهوا بما فعلت ....حتى لم أنادي علي المسئول إلا بعد فتره طويلة!

بعد هذا الموقف مباشرتا وقع تحت يدي كتاب الحاسب الآلي الخاص بأخي الأكبر.....وكان أول كتاب أحاول أن افهمه بدون أن يساعدني احد....الغريب أني اكتشف أن أخي لا يعرف في هذا الكتاب شي وانه يكره ماده الحاسب الآلي .....والأغرب أني خلال شهر كنت قد استوعب جزء كبير من هذا الكتاب وكان أخي يسألني فيما لا يعرف بخصوص هذا الكتاب!

لم يتوقف شغفي بالكمبيوتر عند هذا الحد,كنت اشعر أن مستقبلي مرتبط بهذا الجهاز .....هناك علاقة خفيف بيني وبينه تجعلني استوعب كل ما يخص هذا الجهاز بمنتهي السهولة.

وعندما دخلت المرحلة الثانوية وخيرت بين ثلاث مواد وكان من بينهم الحاسب الآلي-كانت تسمي المواد التطبيقية ولا تدخل في المجموع ولكن المهم أن تنجح فيها-اخترت الحاسب بدون تردد,رغم كل النصائح التي وجهت إلي ممن هم اكبر مني وحتى الأصغر مني أن ابتعد عن هذا المجال علي الأقل في المدرسة......في البداية سخرت من هذه النصائح ولكن بعد حصة واحده في معمل الحاسب في المدرسة عرفت السبب وتيقنت أن كل من نصحني كان يريد مصلحتي وانه كان اعلم مني بما ينتظرني في هذا المعمل.

ليس عيب في أجهزه المعمل ولا عيب في تجهيز المعمل ولا حتى الطلبة وأنا كان المصيبة في مدرس المادة....!

في الحقيقة كانوا مدرسان .....والحمد لله الاثنان أسوء من بعض.

اذكر أول حصة في هذا المعمل عندما دخل احد هذان المدرسان وصدر منه صوت يشبه أصوات البائعين في الأسواق وقال ...."انتوا أه اللي خلاكم تخدو كمبيوتر".يقصد السؤال عن سبب اختيارنا لماده الحاسب الآلي,في تلك اللحظة عرفت أن السنة دي مع الحاسب الآلي سنه كبيسة.

مازلت حتى لحظت كتابه هذه السطور اذكر هذا المهرج......اقصد الأستاذ وهو يقضي الحصة كلها يحدثنا عن نفسه وأولاده وزوجته وجيرانه ومشاكله مع شركه المياه وكيف كسر عداد المياه لان الفاتورة كانت مرتفعه جدا.......و.......و........و..........إلي أخر مشاكل الدنيا التي لا تنتهي.

أما الأستاذ الثاني فقد كان علي مستوي عالي من الأدب و الأخلاق....وكان عملي جدا....ولا يملك وقت كالأول.....فإذا أخطا طالب في تنفيذ أمر أو نفذه بشكل غير لائق يتحول المعمل إلي غرفه للتراشق بالشتائم ولكن من جانب واحد.....وهو جانب الأستاذ بالطبع,وليس هناك مانع من تجميل هذه الشتائم ببعض الركلات السريعة منعا للملل-اصل الحصة كانت ثلاث ساعات....حصة مدمجه-وفي أوقات أخري عندما يكون استأذنا الفاضل مسرور و لسه صاحي من النوم يبدأ في الحديث عن نفسه-لا اعرف وجه التشابه بين الأستاذين ولكن الواضح أن هناك وجه تشابه- والغريب انه كان يتحدث عن نفسه فقط دون ذكر العائلة والأولاد والمشاكل .....اذكر انه حدثنا في ذات مره عن كيف انه قام من النوم في شهر من شهور الشتاء وجري إلي الدش ليأخذ حمام لمجرد انه مش مبسوط .....!.....يعني أحنا إلي كنا مبسطين منه خالص !

بصراحة عانيت كثيرا في هذا المعمل وكم فكرت أن أحول إلي أي ماده أخري واترك الحاسب الآلي ومدرسيه وابعد عن مشاكلهم وتراشقهم بالشتائم كل ساعة وحكاية أبله فضيلة الإجبارية في كل حصة ومشاكل الدنيا وووووو ......ولكن شاء القدر أن يغلق باب التحويل وان امضي سنه كاملة في هذا المعمل مع أساتذته الكرام.

الغريب أنني بعد هذه السنة التي قضيتها في معمل الجحيم ....اقصد معمل الحاسب الآلي لم يقل استمتاعي بالجلوس إلي جهاز الكمبيوتر حتى وان كان في هذا المعمل,كنت قد قطعت عهد علي نفسي أن أتحمل بوجه باسم طوال الوقت والحمد الله مرت علي خير دون إصابات(يعني مجرد انفصام في الشخصية وخوف شديد من المياه و الشعور بغثيان عندما يتحدث احد عن نفسه وبعض المشاكل النفسية).

كان شي طبيعي في سنه ثانية ثانوي أن تجد معمل الكمبيوتر فاضي طوال السنة ؛بعد مأساة سنه أولي الكل هرب واختار أي ماده أخري ....(يعني خلاص مفيش غير حاسب....طب حاسب أنت علي نفسك)

ولكن الشئ الذي صعق زملائي أن يجدوا اسمي وسط الأربع أسماء الذين اختاروا حاسب للمرة الثانية.....طبعا قيل عنا أننا جننا من السنة الماضية لذلك اخترنا حاسب ثانيتا.....وقيل أننا اخترناه لكي نجن بجد.....وقيل و قيل

,ومازلت اذكر كيف كنا نجلس علي راحتنا في المعمل يحتوي علي 25 جهاز وداخله اربع طلاب فقطٍ....!

يبدو أن القدر لم يشاء أن يأخذ منا عقولنا ....فقدر رزقنا الله بمدرسه قمة في الأخلاق والأدب,ولكن هذه الكره بجد,ربنا عوض علينا السنة الماضية-في الحقيقة أنا لم اختر ماده الحاسب ثانيتا إلا علي معلومات تسربت من المخابرات الطلابية أنت السنة الثانية ليست من اختصاص مدرسيين بالمرة بل من اختصاص مدرسات لذا توكلت علي الله ودخلت حاسب ثاني مره-.

في هذه السنة بدأت أتعلم شئ فشئ من لغه البيسك...ولتوافر البيئه المناسبه للابداع ....قمت ذات مره بكتابه برنامج بيسيك احتارت في امره المدرسة وقالت لي"رائع أنت كتبته ازاي ده"...تقصد كيف لي أن اكتب برنامج بهذه الدقه وأنا لم ادرس إلا القليل.

من هذه اللحظة وضعت لي هدف أن أكون مبرمج,وعشت من اجل هذا الهدف .....وتعبت كثيرا في الثانوية العامة من اجل أن احصل علي المجموع الذي يؤهلني لدخول كليه الهندسة....ثم تعبت وبشده مره أخري في كليه الهندسة في السنة الأولي كي احصل علي المجموع الذي يمكني من دخول قسم حاسب....والحمد الله حصلت علي هذا المجموع بل واكثر منه....وعندما أمسكت بورقة الرغبات الخاصة بالأقسام كتبت أول رغبه قسم حاسب.....كنت اعرف أنهم سوف يأخذوني علي الفور لمجموعي العالي....وعدت إلي البيت وأنا في قمة النشوة فقد تحقق حلم حياتي...وغد أكون من طلاب هذا القسم.........!

المفاجأة الكبرى أنني في اليوم الثاني مباشرتا ذهبت إلي الكلية وأول شي فعلته هو أن سحبت ورقه الرغبات واعدت كتابتها من جديد مع تعديل بسيط,وهو أن جعلت قسم الهندسة الكهربية في المقدمة وقسم الحاسب في المرتبة الثانية......كان يبدو الأمر كالذي تخلي عن حلمه في أخر لحظه ....كالذي كد وتعب ثم بدون مقدمات اتخذ طريق أخري .....ولكن الأمر لم يكن هكذا أبدا.

في الحقيقة مجال الكمبيوتر كان طوال عمري هواية ومازال حتى اليوم وكنت كلما حلمت بهذا المجال احلم به علي انه هواية وليس دراسة وعندما جاء الوقت لتحديد إذا كان سوف يصبح هواية أم دراسة اخترت أن يستمر كهواية ....فلقد كان هواية طوال السنوات الماضية فلماذا يتحول إلي دراسة ألان ....ربما لو كنت حولته إلي دراسة لكنت من النادمين ألان و لفقدت المتعة التي أجدها في الجلوس أمام الكمبيوتر ألان, في كثير من الأحيان عندما تلزم بعمل إجباري يثقل عليك تنفيذه ,أما عندما تختاره أنت بكامل أرادتك فتجد فيه متعه هائلة في كل مره تمارسه فيها والدراسة في حد ذاتها اكبر دليل علي ذلك.....!

تلك كانت حكايتي مع جهاز الكمبيوتر الذي احترمته طوال عمري ولم أصفه ولو مره واحده بالغباء لعلمي التام انه لا يملك ذكاء أساسا حتى يملك غباء في يوم من الأيام.....................!

أم حكايتي مع الانترنت فهو موضوع أخر (هل يحب احد أن يسمعه...؟)

م.هاني جلال

تحرير في 23 أغسطس2004

في تمام الساعة السابعة وأربعون دقيقه صباحا

Labels: | edit post